"حقّ الحياة" بكائية هاني شاكر للطفل آلان الكوردي.. ونقابة الفنانين الكوردستانية أول من نعته بعد رحيله

"حقّ الحياة" بكائية هاني شاكر للطفل آلان الكوردي.. ونقابة الفنانين الكوردستانية أول من نعته بعد رحيله
"حقّ الحياة" بكائية هاني شاكر للطفل آلان الكوردي.. ونقابة الفنانين الكوردستانية أول من نعته بعد رحيله

فتح رحيل المطرب الكبير هاني شاكر ملف علاقته بالكورد، وكيف غنّى للطفل الكوردي آلات الذي راح ضحية الهجرة غير الشرعية على الشواطئ، وكيف نعته نقابة الفنانين الكوردستانية برسالة عاجلة، ونعاه فنانون كورد على صفحات التواصل، بعد أن رحل متأثرًا بمرضه في باريس، ونُقل ليدفن في موطنه مصر.

وعندما سُئل قبل رحيله: ما السر في تقديمك لأغنية “حق الحياة” من أجل طفل مات غريقًا غريبًا على الشاطئ وهو كوردي؟ قال – رحمه الله – إن للإنسانية حقًا لا بد أن يُمنح، وأنه غنّى للطفل آلان الكوردي دون أن يعرف جنسيته في البداية، لكنه كعاشق ومحب للموسيقى الكوردية والعراقية استوحى حالة الشجن من تلك الموسيقى، حيث تتميز بها ، فالطفل ايلان كوردى ملت بغير ذنب وعثر على جثته على شاطئ قبالة سواحل تركيا.

والمثير أن أول نعي له بعد رحيله من خارج مصر جاء من نقابة الفنانين الكوردستانية، برئاسة النقيب نياز محمد نوري ملا محمود، حيث أرسلت نقابة فناني كوردستان بيانًا تنعى فيه الفنان هاني شاكر.

وأصدرت نقابة فناني كوردستان بيان تعزية أعربت فيه عن حزنها العميق لوفاة الفنان الكبير هاني شاكر، رئيس اتحاد الفنانين العرب ونقيب المهن الموسيقية في جمهورية مصر العربية.

وجاء في البيان: “تنعى نقابة فناني كوردستان ببالغ الحزن والأسى رحيل الفنان العربي الكبير، سائلين الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان”.

كما استشهدت النقابة بالآية الكريمة: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”، مؤكدة تضامنها مع الأسرة الفنية العربية في هذا المصاب الجلل.

واختتمت النقابة بيانها بالدعاء للفقيد بالرحمة والمغفرة، ولأهله ومحبيه بالصبر، مؤكدة أن الساحة الفنية فقدت أحد أبرز رموزها.

وعبّر رئيس اتحاد الفنانين العرب ونقيب المهن السينمائية المصري مسعد فودة عن امتنانه لتلك البرقية المهمة، وقال إنها تعبر عن العلاقات المتجذرة بين مصر وكوردستان، وأن التوافق الدائم بين فناني مصر وكوردستان سيثمر خلال الفترة المقبلة عن تعاون مشترك، مثمنًا تلك الروح التي لمسها كل أعضاء الاتحاد العام للفنانين العرب من كل الدول الأعضاء. وهو – إن دل – إنما يدل على أن الفنان الكوردي عنصر فاعل في نسيج الحركة الفنية التي تضم عربًا وكوردًا، ولا ننسى – والكلام لرئيس اتحاد الفنانين العرب – أن هناك أعمالًا جمعت الفنانين العرب والكرد في السينما والتليفزيون، وأن هاني شاكر كان – رحمه الله – محبًا للشعب الكوردي، وعبر عن هذا في أغنيته “حق الحياة”.

هلكوت ينعيه بكلمات مؤثرة

وما يؤكد عمق علاقة هاني شاكر بالموسيقيين والمطربين الكورد ما قاله الملحن الكوردي “هلكوت زاهر” في نعيه له، إذ قال إن الفن العربي فقد واحدًا من أهم رموزه وأعمدته الأساسية، وأضاف: “برحيل هاني شاكر خسرت مصر والساحة الفنية العربية مبدعًا استثنائيًا، وصوتًا كان وسيبقى رمزًا للرقي والإحساس الصادق”.

وأضاف أن هاني شاكر لم يكن مجرد فنان قدير، بل كان مدرسة في الأخلاق والفن الملتزم، مشيرًا إلى أن اللقاءات والمناسبات الفنية العديدة التي جمعتهما كشفت له عن شخصية إنسانية فريدة بقدر ما هي فنية، حيث كان الراحل يحرص دائمًا على دعم الإبداع والتعاون الفني العابر للحدود.

حق الحياة حكاية روح تتألم

لم تكن أغنية “حقّ الحياة” التي أطلقها هاني شاكر عام 2015 مجرد عمل غنائي عابر، بل جاءت كمرثية إنسانية موجعة، وصرخة ضمير في وجه عالم بدا عاجزًا عن حماية أطفاله. في تلك اللحظة التي اهتز فيها العالم لصورة الطفل الكردي إيلان كردي، الممدد على شاطئ البحر، لم يجد “أمير الغناء العربي” سوى صوته ليقول ما عجزت عنه السياسة، وليحوّل المأساة إلى نداء فني يحمل معنى الرحمة والحق في الحياة.

الأغنية، التي كتب كلماتها ناصر الجيل، ولحّنها ووزعها محمد ضياء، لم تعتمد فقط على قوة الكلمات، بل على الإحساس العميق الذي صاغه صوت هاني شاكر، ذلك الصوت الذي لطالما ارتبط بالحب والرومانسية، لكنه هنا ارتدى ثوب الحزن النبيل، ليعبّر عن فاجعة إنسانية تتجاوز الجغرافيا واللغة.

الموسيقى الكوردية

اختياره – رحمه الله – لهذه القضية الإنسانية لم يكن بعيدًا عن حساسيته الموسيقية، ولا عن تأثره بأنماط موسيقية مختلفة، من بينها الموسيقى الكردية التي تحمل في طياتها شجنًا خاصًا يمزج بين الألم والحنين. هذا الطابع القريب من الروح الشرقية، بما فيه من مقامات حزينة ونبرات عاطفية، يتقاطع بشكل واضح مع أسلوب هاني شاكر الغنائي، الذي يقوم أساسًا على التعبير الصادق والانفعال الوجداني.

فالموسيقى الكوردية، مثلها مثل الغناء العربي الكلاسيكي، تعتمد على تطويع الصوت ليكون أداة إحساس قبل أن يكون أداة أداء، وهو ما جعل هاني شاكر، بطبيعته الفنية، قريبًا من هذا اللون، وقادرًا على استيعاب روحه، حتى وإن لم يقدم أعمالًا مباشرة بهذا الطابع، إلا أن إحساسه كان دائمًا يحمل ذلك الشجن الإنساني المشترك.

آلان… من صورة إلى رمز

تحول الطفل آلان كوردي إلى رمز عالمي لمعاناة اللاجئين، لكن “حقّ الحياة” أعادت إليه إنسانيته كطفل، لا كصورة صادمة فقط. الأغنية لم تتحدث عن السياسة، بل عن البراءة المهدرة، وعن حق بسيط ومطلق: أن يعيش الطفل بأمان.

وهنا تبرز قيمة الفن حين يتحول إلى وثيقة وجدانية تحفظ الحدث من النسيان، وتعيد صياغته بلغة القلب. فهاني شاكر لم يغنِّ لإيلان وحده، بل لكل طفل وجد نفسه ضحية حرب أو تهجير أو قسوة إنسانية.

مسيرة بـ600 أغنية وخمسة أعمال درامية

في مسيرته قدم هاني شاكر ما يزيد على 600 أغنية وخمسة أعمال للسينما والتليفزيون. فمنذ انطلاقته في سبعينيات القرن الماضي، رسّخ مكانته كواحد من أهم الأصوات في العالم العربي. بصوته الدافئ وأدائه الصادق، استطاع أن يخلق لنفسه مدرسة غنائية قائمة على الرقي والإحساس، بعيدًا عن الصخب والافتعال.

لم تكن مسيرته خالية من الألم؛ فقد مرّ بتجارب إنسانية قاسية، أبرزها فقدان ابنته، وهو الحدث الذي ترك أثرًا عميقًا في شخصيته وفنه، وجعل الحزن جزءًا من صوته، لا مجرد إحساس عابر. كما خاض معارك مهنية عديدة خلال توليه منصب نقيب الموسيقيين، مدافعًا عما اعتبره “هوية الغناء” في مواجهة تحولات الذوق العام.

ورغم كل ذلك، ظل هاني شاكر وفيًا للموسيقى، مؤمنًا بدورها كقوة ناعمة قادرة على التغيير. حتى رحيله، بقي صوته حاضرًا، يحمل مزيجًا من الحب والألم، ويُذكّر بأن الفن الحقيقي لا يموت، بل يتحول إلى ذاكرة جماعية.

بين الأغنية والحياة… رسالة لا تنتهي

"حقّ الحياة" ليست مجرد أغنية في أرشيف فنان، بل شهادة فنية على زمن مضطرب، وعلى إنسان اختار أن يواجه القسوة بالجمال. في هذا العمل، يلتقي صوت هاني شاكر مع مأساة إيلان، ومع شجن الموسيقى الكردية، ليصنعوا معًا لحظة نادرة، يتوحد فيها الفن مع الإنسانية.

تألم هاني شاكر لأنه عاش الألم عند رحيل أهم ما أحب، ابنته دينا، بعد أن أنجبت حفيديه التوأم، فرحلت لتتركه يتألم ويقدم أغنيات الشجن، ويجد في الحنين والرومانسية طريقًا للبقاء والعيش بحب ومشاعر فياضة.