سیاسة
أ.د نزار خورشيد مامه
أ.د نزار خورشيد مامه

محرر

بين التهدئة والتهديد: هل خرج الإقليم من دائرة الاستهداف؟

بين التهدئة والتهديد: هل خرج الإقليم من دائرة الاستهداف؟
بين التهدئة والتهديد: هل خرج الإقليم من دائرة الاستهداف؟

ليست المشكلة في أن إيران والولايات المتحدة قررتا التهدئة…
بل في أن هذه التهدئة، كما كل سابقاتها، تُبنى على أرضٍ ليست لهما وحدهما.

في كل مرة يهدأ فيها الصراع، يُقال إن المنطقة تلتقط أنفاسها.
لكن الواقع أن بعض الجغرافيا- وفي مقدمتها العراق وإقليم كردستان- لا تلتقط أنفاسها، بل تُوضَع في حالة انتظار:
انتظار الضربة التالية، أو الرسالة التالية، أو لحظة انهيار التفاهم.

الهدنة هنا لا تعني السلام بل تعني أن الخطر أصبح أكثر هدوءًا، لا أكثر بُعدًا.

إنّ إقليم كردستان ليس طرفًا في هذا الصراع، لكنه لم يكن يومًا خارج تداعياته. فهو خارج القرار لكنه داخل النتائج فخلال الأشهر الماضية، لم تكن دهوك وأربيل بعيدة عن رسائل التصعيد، سواء عبر التهديدات المتكررة أو الضربات التي طالت أطراف الإقليم تحت عناوين مختلفة.

في دهوك، لم تكن الحوادث الأمنية مجرد وقائع معزولة، بل جزءًا من سياق إقليمي يُستخدم فيه الإقليم كمساحة ضغط. وفي أربيل، حيث يُفترض أن تكون العاصمة السياسية والاقتصادية للإقليم، تحولت بعض الضربات السابقة إلى رسائل واضحة بأن “الهدوء” هنا ليس محصّنًا.

ومع إعلان الهدنة، يبدو وكأن هذه المرحلة قد انتهت.
لكن الواقع أن ما انتهى هو الصوت المرتفع فقط، لا منطق الرسائل ذاته.

على الورق تغيّر الكثير: انخفاض في التصعيد، وتراجع في الخطاب الحاد، مع وعود بتهدئة الأوضاع، لكن على الأرض؟ تقريبًا لا شيء تغير، فالقواعد التي سمحت باستهداف الإقليم سابقًا ما زالت قائمة، والأطراف التي استخدمت هذا الأسلوب لم تُعلن تراجعًا عنه، والبيئة السياسية التي تُنتج هذا التوتر لم تتغير.

بمعنى آخر:
الهدنة أوقفت الفعل… لكنها لم تُلغِ إمكانية تكراره.

فهل هي استقرار مؤقت… أم أنها إعادة تموضع؟

المشكلة في قراءة هذه الهدنة كإنجاز، أنها تُغفل طبيعتها الحقيقية. ما يجري ليس تسوية، بل إعادة ترتيب، فالولايات المتحدة لا تريد حربًا مفتوحة، وإيران لا تريد دفع كلفة المواجهة المباشرة.

والنتيجة؟ لكل ذلك إدارة الصراع بدل حله.

في هذا النوع من (الاستقرار) ، تصبح المناطق الهشة - مثل العراق وإقليم كردستان- مجرد مساحات يمكن تهدئتها أو تسخينها بحسب الحاجة.

إذ أنّ المشكلة أن الإقليم لا يتعامل مع سيناريو افتراضي، بل مع تجربة حديثة.
وما حدث في دهوك من توترات، وما شهدته أربيل من ضربات سابقة، ما زال حاضرًا في الذاكرة السياسية والأمنية، وهذا ما يجعل أي حديث عن “استقرار” يبدو ناقصًا، فالاستقرار الحقيقي لا يُقاس بغياب الضربات لبضعة أيام، بل بوجود ضمانات تمنع تكرارها. وهذه الضمانات غير موجودة حتى الآن.

والذي يجب أن يقلقنا هو ليس التصعيد بل قابليته للعودة، فالهدنة الحالية لا تعني أن الإقليم خرج من دائرة الاستهداف، بل تعني فقط أن هذه الدائرة توقفت عن الدوران مؤقتًا.

وهنا يكمن الخطر:
أن يتحول الهدوء إلى وهم سياسي، يُبنى عليه شعور زائف بالأمان.

فإقليم كردستان قد يستفيد من هدوء الأيام القادمة، لكن هذا الهدوء لا ينبغي أن يُفهم كتحول استراتيجي، ما لم تتغير القواعد التي تسمح باستخدام الإقليم كورقة ضغط، فهذه الهدنة تُؤجل الخطر لا تُنهيه فإن كل هدنة ستبقى مجرد استراحة قصيرة في صراع طويل، العراق عمومًا، وكردستان خصوصًا، لا يحتاجان إلى تهدئة بين الآخرين، بل إلى معادلة تمنع الآخرين من تحويلهما إلى ساحة. أما ما يحدث الآن، فليس أكثر من: هدنة تُخفي تحتها صراعًا مستمرًا… ينتظر لحظة العودة.