مركز لالش … حارس لذاكرة الموروث الإيزيديّ

مركز لالش … حارس لذاكرة الموروث الإيزيديّ
مركز لالش … حارس لذاكرة الموروث الإيزيديّ

يُشكِّل التُّراث الثّقافيّ، والرُّوحي للشُّعوب ذاكرةً حيّة تحفظ تاريخها، وهُوّيتها، وتمنح الأجيال المتعاقبة شعورًا بالانتماء، ومن بين المكوّنات الأصيلة في إقليم كوردستان- العراق، والمناطق الكوردستانية خارج إدارة إقليم كوردستان يبرز المُكوّن الإيزيديّ بوصفه أحد أقدم المكوّنات الدِّينيّة، والثّقافيّة في المنطقة، إذ يمتلك إرثًا حضاريًا غنيًا بالعادات، والتّقاليد، والطُّقوس الدِّينيّة، واللغة الكورديّة، والفنون الشَّفويّة. وفي ظلّ التّحديات التي واجهها الإيزيديّون عبر المحطّات التّاريخيّة برز (مركز لالش الثقافي والاجتماعي) بوصفه مؤسّسة ثقافيّة رائدة أخذت على عاتقها مهمة حماية الموروث الإيزيديّ، وصونه من الاندثار، والحفاظ عليه من التّحريف، والتّزييف، والتّشويه، والعمل على توثيقه، ونقله إلى الأجيال الجديدة بأسلوب علمي، وثقافي عصري.

 بعد انتفاضة (سرهلدان) المجيدة بإقليم كوردستان في مطلع التّسعينيات من القرن المنصرم تأسّس مركز (لالش) بتاريخ (12أيار (1993 في محافظة دهوك- إقليم كوردستان ليكون منبرًا ثقافيًا، واجتماعيًا يهتم بالشأن الإيزيديّ، ويعمل على إحياء التُّراث الإيزيديّ، والحفاظ على الهُوّية الثَّقافية، والدّينيّة للمجتمع الإيزيديّ. وقد جاء تأسيس مركز(لالش) في مرحلة مفصليّة، وحسّاسة، ومهمّة شهدت انفتاحًا ثقافيًا في إقليم كوردستان ممّا أتاح للمؤسّسات الثّقافية أن تؤدي دورًا كبيرًا في خدمة المجتمع، ورفع مستوى الوعي الثَّقافيّ لديهم.

إنَّ اختيار اسم (لالش) لم يكن اسمًا عابرًا، بل يحمل دلالة روحيّة عميقة إذ يُعدّ معبد (لالش) أقدسُ مكان لدى الإيزيديّين، ومركزًا دينيًا، وروحيًا يقصده الزُّوّار من مختلف المناطق في العالم؛ لذلك ارتبط اسم المركز بالمكان الذي يمثل قلب الدِّيانة الإيزيديّة، ورمزها التّاريخي.

منذ انطلاق مركز (لالش) وضع أمامه مجموعة من الأهداف الأساسيّة التي تتعلق بالحفاظ على الموروث الإيزيديّ، وتعزيز التّعايش المجتمعيّ، ونشر الثّقافة، والمعرفة، ومن أبرز هذه الأهداف:

-         توثيق التُّراث الإيزيديّ بمختلف أشكاله.

-         الحفاظ على اللغة الكورديّة باللهجة (الكرمانجية) المستخدمة لدى الإيزيديّين.

-         جمع النُّصوص الدِّينيّة، والأدعيّة، والأقوال الشَّفويّة.

-         نشر ثقافة التّسامح، والتَّعايش السِّلميّ.

-         دعم الباحثين، والكُتّاب المهتمين بالشَّأن الإيزيديّ.

-         التّصدّي لمحاولات طمس الهُوية الإيزيديّة، أو تشويهها من قبل المدفوعين من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة، وغيرها، والجهات السِّياسيّة.

-         تعزيز حضور الثّقافة الإيزيديّة في المحافل المحليّة، والدَّوليّة.

لقد أدرك مركز (لالش) منذ البداية أنَّ الحفاظ على التُّراث لا يقتصر على حفظ الكتب، والمخطوطات فقط، بل يشمل أيضًا حماية الذَّاكرة الشَّعبيّة، والعادات الاجتماعيّة، والفنون، والموسيقى، والطُّقوس الدِّينيّة التي تُشكِّل بمجملها الهُوّيّة الإيزيديّة.

يُعدُّ التَّوثيق من أهمّ الأعمال التي قام بها مركز (لالش) إذ عمل على جمع التُّراث الشَّفويّ الإيزيديّ الذي ظل لقرون طويلة حبيسة في الصُّدور يُتناقل شفويًا بين رجالات الدين، وكبار السِّن، وقد ساهم ذلك في حماية كثير من النُّصوص الدِّينيّة، والأقوال المُقدّسة من الضَّياع، والنّسيان.

كما أصدر المركز العديد من الكتب، والمجلات، والدِّراسات التي تناولت التّاريخ الإيزيديّ، والعادات والتّقاليد، والطُّقوس الدِّينيّة، فضلًا عن تنظيم النَّدوات، والمؤتمرات الفكريّة، والثَّقافيّة التي تهدف إلى التعريف بالإيزيديّين، وتراثهم العريق. فضلًا عن فتح مكتبة، وأرشيف خاص يضم عددًا كبيرًا من الوثائق، والصُّور، والمخطوطات المتعلقة بالتُّراث الإيزيديّ، وقد وفّر مادة علمية مُهمّة للباحثين، والأكاديميين، والمهتمين بالشَّأن الإيزيديّ، وتراثه.

وقد واجه المجتمع الإيزيديّ واحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث عندما تعرّضت منطقة (شنـگـال) إلى هجوم تنظيم داعش الإرهابيّ في (3آب 2014)، وهي الجريمة التي صنّفتها العديد من الجهات الدَّوليّة بوصفها إبادة جماعيَّة بحق الإيزيديّين. وقد أدّت هذه الكارثة إلى استشهاد، واختطاف الآلاف منهم، فضلًا عن تهجير مئات الآلاف من المدنيين، وتدمير القرى، والمزارات الدِّينيّة على يد تنظيم داعش الإرهابيّ.

في تلك المرحلة الصَّعبة أدّى مركز (لالش) دورًا إنسانيًا، وثقافيًا مهمًا إذ لم يقتصر نشاطه على الجانب الثَّقافي فحسب، بل انخرط في توثيق الجرائم، والانتهاكات التي تعرّض لها الإيزيديّون، والعمل على إيصال صوت الضَّحايا، وعوائلهم إلى المجتمع الدَّوليّ.

كما ساهم المركز في إقامة كثير من النَّشاطات، والفعاليّات التي تهدف إلى الحفاظ على الهُوّيّة الإيزيديّة لدى النَّازحين، لاسيّما الأطفال، والشَّباب الذين عانوا من آثار الحرب، والنُّزوح. فالثَّقافة هنا لم تعد مجرد نشاط فكريّ، بل تحوّلت إلى وسيلة للصُّمود، والحفاظ على الوجود أمام هذا التّيار الجارف.

كما أولى المركز اهتمامًا كبيرًا بفئة الشَّباب، لكونهم الجيل الذي سيحمل مسؤوليّة استمرار الهُوّيّة الثَّقافيّة في المستقبل؛ لذلك عمل على تنظيم الدَّورات التّدريبيّة، والنَّشاطات الثَّقافيّة التي تساهم في تنمية قدرات الطَّبقة الشَّبابيّة، وتعزيز ارتباطهم بتراثهم القوميّ، والدِّينيّ.

كما اهتم مركز (لالش) بدور المرأة الإيزيديّة، لاسيّما بعد المآسي التي تعرّضت لها النِّساء الإيزيديّات خلال اجتياح تنظيم داعش الإرهابيّ لمناطقهنَّ. وقد سعى مركز (لالش) إلى تسليط الضَّوء على معاناة المرأة الإيزيديّة بعد تعرّضها إلى الخطف، والسَّبي، والقتل على يد مجرمي العصر تنظيم داعش الإرهابيّ، والدِّفاع عن حقوقها، وإبراز دورها في حماية الأسرة، والمجتمع، والتَّراث.

لقد أثبتت المرأة الإيزيديّة قدرتها على الصُّمود، ومواجهة التّحديّات، وأصبحت رمزًا للقُوّة، والإرادة، والثّبات ممّا جعلها تحظى بمكانة مُهمّة في النَّشاطات الثَّقافيّة، والإنسانيّة التي يقيمها المركز.

يتميز مركز (لالش) بتنوّع نشاطاته الثَّقافيّة، فهو لا يكتفي بإقامة النَّدوات، والمحاضرات، بل ينظم أيضًا مهرجانات، ومعارض فنّيّة، وفلكلوريّة تهدف إلى إحياء التَّراث الشَّعبي الإيزيديّ.

وتُعدُّ الموسيقى، والأغاني الفلكلوريّة جزءًا أساسيًا من الهُويَّة الثَّقافيّة الإيزيديّة؛ لذلك اهتم مركز (لالش) بتوثيق الجانب الفنّيّ، وتشجيع الفنّانين، والمبدعين على الحفاظ عليه، وتطويره.

كما عمل مركز (لالش) على استخدام وسائل الإعلام الحديثة، ومنصات التّواصل الاجتماعيّ لنشر الثَّقافة الإيزيديّة، والتّعريف بها، وهو ما ساعد في وصول الرِّسالة الثَّقافيّة بسرعة كبيرة إلى جمهور أوسع في إقليم كوردستان، وخارجه.

لم يقتصر دور مركز (لالش) على خدمة المجتمع الإيزيديّ فحسب، بل سعى أيضًا إلى تعزيز قيم التَّعايش، والتَّسامح بين مختلف المكوّنات الدِّينيّة، والقوميّة في العراق، وإقليم كوردستان. فالإيزيديّون كانوا، ولا يزالون جزءًا أصيلًا من النّسيج الاجتماعيّ في المنطقة؛ ولذلك حرص مركز (لالش) على بناء جسور الحوار، والتّفاهم مع بقيّة المُكوّنات.

شارك مركز (لالش) في العديد من المبادرات، والمؤتمرات التي تدعو إلى نبذ التّطرّف، والعُنف، ونشر ثقافة قبول الآخر، واحترام التّنوّع، والتّعدّديّة الدِّينيّة، والثَّقافيّة. وهذا الدور يكتسب أهمية كبيرة في مجتمع مُتعدّد القوميّات، والدِّيانات مثل العراق، وإقليم كوردستان.

على الرغم من النّجاحات الكبيرة التي حققها مركز (لالش) إلا أنه ما يزال يواجه عددًا من التّحديات، ومن أبرزها:

-         خطر ضياع جزء من التُّراث الشّفويّ بسبب رحيل كبار السِّن، ورجالات الدِّين.

-         آثار الهجرة، والنُّزوح التي أثّرت على المجتمع الإيزيديّ بصورة عامّة.

-         محاولات تشويه الثَّقافة الإيزيديّة، أو تقديم معلومات مغلوطة عنها بصورة مُتعمّدة، أو كتابة تاريخ الدِّيانة الإيزيديّة من قبل شخصيّات غير مختصة مُتطرّفة قوميًا، أو دينيًا، ومن الأقلام المأجورة.

 يواصل المركز عمله بإصرار للحفاظ على هذا الإرث الحضاريّ مستفيدًا من دعم المثقفين، والباحثين، والأكاديميين، والمُهتمّين بالشَّأن الإيزيديّ.

تتضاعف أهمية مركز (لالش) في الوقت الحاضر بسبب الحاجة المُلحّة إلى حماية التَّنوّع الثَّقافي، والدِّينيّ في المنطقة. فالعالم اليوم يشهد تغيّرات مُتسارعة تُهدِّد كثيرّا من الثَّقافات المحليَّة بالاندثار، وهذا الأمر يجعل من المؤسّسات الثَّقافية مسؤولة عن حماية الذَّاكرة الجماعيَّة للشُّعوب.

ويُعدُّ مركز (لالش) أنموذجًا ناجحًا للمؤسّسات الثَّقافيّة التي استطاعت أن تجمع بين الأصالة، والمعاصرة، إذ حافظ على التُّراث الإيزيديّ من جهة، وانفتح على الوسائل الحديثة في التَّوثيق، والنَّشر من جهة أخرى.

كما أنَّ نشاطات مركز (لالش) ساعدت في تصحيح كثير من الصُّور النَّمطيّة المغلوطة عن الإيزيديّين، وقدّمت صورة حقيقيّة عن ثقافتهم، وتاريخهم، وديانتهم، وقيمهم الإنسانيَّة لدى المتلقين.

إنَّ الحديث عن مركز (لالش) هو حديث عن مُؤسّسة حملت مسؤولية تاريخيّة، وثقافيّة كبيرة على عاتقها في الحفاظ على الموروث الإيزيديّ، وصيانة هُوّيّة واحدة من أقدم الجماعات الدِينيَّة في منطقة الشَّرق الأوسط، وتمركزها في كوردستان، فقد استطاع المركز عبر نشاطاته المُتنوّعة أن يكون جسرًا يربط الماضي بالحاضر، وأن يُحوِّل الثَّقافة إلى أداة للمقاومة، والصُّمود، والبقاء في مواجهة التَّحديّات الرَّاهنة.

لقد أثبت مركز (لالش) أنَّ التراث ليس مجرد ذكريات من الماضي، بل هو أساس لبناء مستقبل مشرق للأجيال القادمة، وتعزيز الهُوّيّة، والانتماء. ومن خلال جهود مركز (لالش) المستمرة في التَّوثيق، والتَّثقيف، ونشر قيم التَّعايش أصبح مركز (لالش) رمزًا ثقافيًا يعكس عمق الحضارة الإيزيديّة، وأصالتها.

وفي زمن تتعرّض فيه الهُوّيّات الدِّينيّة، والثَّقافيّة لخطر التَّهميش، والطَّمس، والضَّياع يبقى مركز (لالش) شاهدًا حيًا على أهميّة الثَّقافة في حماية الشُّعوب، وصون ذاكرتها التّاريخيّة، وحارسًا أمينًا للموروث الإيزيديّ للأجيال القادمة.

وقد حظي مركز (لالش) منذ تأسيسه على مدى (33) عامًا باهتمام، ودعم ماليّ، ومعنويّ من قبل حكومة إقليم كوردستان إدراكًا منها لأهميّة الدَّور الذي يمارسه مركز (لالش) في حماية الموروث الإيزيديّ، وصيانة التَّنوّع الثَّقافيّ، والدِّينيّ في إقليم كوردستان، كما أنَّ هذا الدَّعم نابع من أنَّ حكومة إقليم كوردستان ترى أنَّ الإيزيديّة جزءًا، ومُكوّنًا أساسيًا من حضارة كوردستان العظيمة.