معركة الهوية.. لماذا استبسل الكورد في حماية لغتهم وتقاليدهم؟"

معركة الهوية.. لماذا استبسل الكورد في حماية لغتهم وتقاليدهم؟"
معركة الهوية.. لماذا استبسل الكورد في حماية لغتهم وتقاليدهم؟"

حين يقرأ المرء في صفحات التاريخ التي سطرها الباحث الدكتور مهند الجبوري في مؤلفاته عن "الشيخ أحمد البارزاني" و"عشائر بارزان"، يكتشف حقيقة قد تغيب عن الكثيرين: أن الرصاصة الأولى في الجبال لم تنطلق طلباً لمنصب أو نفوذ، بل انطلقت دفاعاً عن "الحق في الكينونة". لقد كانت الحروب التي خاضها الكورد، في جوهرها، معركة وجودية لحماية إرث إنساني تجسد في لغة الأمهات وعادات الأجداد.

اللغة.. أكثر من مجرد كلمات

في كل شبر من جبال بارزان، لم تكن اللغة الكوردية مجرد وسيلة للتواصل، بل كانت الوعاء الذي يحفظ تاريخاً طويلاً من الأساطير، والحكم، والقيم. يوضح الباحث الجبوري في دراساته كيف حاولت السياسات المركزية في فترات مختلفة طمس هذه اللغة أو تحجيمها. بالنسبة للقادة الكورد، كان التنازل عن "اللغة" يعني التنازل عن "الروح".

لقد أدرك البارزانيون مبكراً أن الشعوب لا تموت بمصادرة أراضيها، بل تموت بمصادرة لسانها. لذا، كانت المطالبة بالتعليم باللغة الكوردية وإصدار الصحف والكتب هي المطلب الأول في كل طاولة مفاوضات. لم تكن هذه المطالب "ترفاً ثقافياً"، بل كانت ضرورة لمنع انصهار هوية شعب أصيل في قوالب مفروضة عليه قسراً.

التقاليد: دستور الجبل غير المكتوب

عاش المجتمع الكوردي، وخاصة في منطقة بارزان (1903-1958) وما تلاها وحتى اليوم وفق منظومة تقاليد فريدة تعلي من شأن الأسرة، وتحترم المرأة، وتقدس الأرض. هذه "العادات" كانت هي القانون الذي ينظم الحياة قبل وصول قوانين الدولة. وعندما شعرت هذه المجتمعات أن هناك محاولات لتفكيك هذا النسيج الاجتماعي أو فرض قيم غريبة على بيئتها الجبلية، كان الرد دفاعياً بامتياز.

إن القارئ المنصف يدرك اليوم أن "التمسك بالزي الكوردي"، و"الاحتفال بنوروز"، والحفاظ على "الدبكات والأهازيج التراثية"، لم تكن مجرد مظاهر احتفالية، بل كانت أشكالاً من المقاومة السلمية. وحين سُدت أبواب التعبير عن هذه الهوية بالوسائل المدنية، اضطر القادة لحمايتها بقوة الحق المسلح، لضمان أن يظل "الكوردي" كوردياً في تفكيره، ولسانه، وانتمائه.

رسالة إلى القارئ العربي

إن ما خاضه الكورد من "حروب اضطرارية" لم يكن موجهاً ضد القومية العربية أو غيرها، بل كان دفاعاً عن "التنوع" الذي هو أصل القوة في هذا المشرق. إن حماية اللغة الكوردية هي حماية لجزء أصيل من موزاييك المنطقة.

لقد علمتنا مدرسة بارزان، أن الإنسان الذي يقاتل من أجل لغته وتقاليده هو إنسان يقاتل من أجل كرامته البشرية. واليوم، ونحن نرى هذا الانفتاح الثقافي، ندرك أن تلك التضحيات لم تذهب سدى؛ فقد بقيت اللغة، واستمرت التقاليد، وأصبح التنوع الكوردي العربي مصدر ثراء وقوة، لا سبب فرقة ونزاع.