رائد الصحافة العربية في مصر والشام ..محمد كورد علي 150 عاماً على ميلاده

رائد الصحافة العربية في مصر والشام ..محمد كورد علي 150 عاماً على ميلاده
رائد الصحافة العربية في مصر والشام ..محمد كورد علي 150 عاماً على ميلاده

إذا كان التاريخ يسطر في صفحاته أن أول من أسس صحفاً في مصر هو محمد علي باشا، حيث أصدر جريدة "الوقائع المصرية" عام 1828، لتكون أول صحيفة رسمية في مصر والمنطقة العربية وأن أول من أسس الصحف الأهلية والخاصة الأخوان اللبنانيان سليم وبشارة تقلا، اللذان أسسا صحيفة "الأهرام" عام 1875، ففي أرشيف الإعلام ومجامع اللغة العربية يُذكر، بشيء من الفخر، أحد أهم الشخصيات الكوردية التي يعود إليها الفضل في ترسيخ نهضة الصحافة العربية بين مصر والشام، وهو محمد كورد علي.

وبعد مرور 150 عاماً على ميلاد مؤسس نهضة الإعلام في مصر والشام، يستعاد اسم محمد كورد علي، المولود في دمشق عام 1876، والذي أكمل مسيرته الإعلامية في مصر ليؤسس واحدة من أهم المجلات التوثيقية العربية، وهي “المقتبس”، التي ما تزال محفوظة في المكتبات ومجامع اللغة العربية بوصفها وثيقة تاريخية مهمة. وقد تتلمذ على يديه عشرات الكتّاب والصحفيين الذين أصبحوا لاحقاً من أعلام الفكر والثقافة العربية.

فارس العربية

لا يمكن الحديث عن الصحافة العربية الحديثة دون الوقوف عند محمد كورد علي (1876 ـ 1953)، الرجل الذي كرّس حياته للدفاع عن اللغة العربية وخدمة الثقافة العربية. تنقّل بين دمشق والقاهرة، وترأس تحرير عدد من الصحف الكبرى، وأسّس مجلة “المقتبس”، وترك إرثاً معرفياً ضخماً من الكتب والدراسات، كما أسهم في تأسيس أول مجمع علمي عربي في دمشق.

ويُعد محمد كورد علي أحد أبرز رواد النهضة الفكرية والصحفية العربية في مطلع القرن العشرين؛ فلم يكن مجرد صحفي أو مؤرخ، بل مدرسة فكرية متكاملة خرّجت أجيالاً من الكتّاب والمفكرين في الشام ومصر. وقد تحولت مجلة “المقتبس” إلى منبر للتنوير والأدب والسياسة والعلوم، وأصبحت نموذجاً للصحافة العربية الحديثة القائمة على اللغة الرصينة والفكر المستنير والدفاع عن الهوية الثقافية.

أثر فكري

تأثر بمحمد كورد علي عدد كبير من الأدباء والمفكرين، من أبرزهم خليل مردم بك، ومحمد بهجة البيطار، ومنير العجلاني، وعلي الطنطاوي، ونجيب الريس، وشكيب أرسلان، فضلاً عن عدد من الصحفيين المصريين الذين استفادوا من تجربته التحريرية ومن رؤيته في تطوير الصحافة العربية.

وقد استطاع أن يؤسس مدرسة صحفية وفكرية تجاوزت حدود دمشق والقاهرة، وأسهمت في تشكيل الوعي الثقافي العربي الحديث، حتى أصبح تأثيره حاضراً في أجيال متعاقبة من الصحفيين والكتّاب الذين حملوا رسالته في الدفاع عن اللغة العربية وقيم النهضة والتنوير.

صحافة النهضة

شهدت نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ميلاد الصحافة العربية الحديثة بوصفها مشروعاً فكرياً وثقافياً يتجاوز نقل الأخبار إلى صناعة الوعي وإعادة تشكيل المجتمع. وفي قلب هذه النهضة برز اسم محمد كورد علي، الذي حوّل الصحافة إلى مدرسة معرفية متكاملة وجعل من الكلمة أداة للإصلاح والتنوير.

وإذا كانت صحيفة “كردستان” التي أصدرها الأمير مقداد مدحت بدرخان في القاهرة عام 1898 قد دشّنت الوعي الصحفي الكردي الحديث، فإن مجلة “المقتبس” جسّدت ذروة النضج الفكري للصحافة العربية الحديثة، حتى بدا المشروعان وكأنهما جناحان لنهضة ثقافية واحدة انطلقت من الشرق العربي نحو آفاق أوسع.

جسر ثقافي

لم يكن الصحفي الكوردي معزولاً عن محيطه العربي، بل كان جزءاً من حركة التحديث والإصلاح في المنطقة. وفي هذا المناخ نشأ محمد كورد علي، الذي وُلد لأسرة كوردية في دمشق، وتشبع بالثقافة العربية حتى أصبح أحد أبرز المدافعين عنها.

جمع بين موهبة المؤرخ ودقة الباحث وحماسة الصحفي، فكان نموذجاً للمثقف الموسوعي الذي يرى في الصحافة رسالة حضارية لا مجرد مهنة.

مجلة المقتبس

أسس محمد كورد علي مجلة “المقتبس” عام 1906، وسرعان ما أصبحت واحدة من أهم المجلات الفكرية والثقافية في العالم العربي. وقد جمعت بين السياسة والأدب والعلوم والتاريخ والترجمة، واهتمت بتبسيط العلوم الحديثة للقارئ العربي، انطلاقاً من إيمانها بأن النهضة لا تقوم على السياسة وحدها، بل على بناء الإنسان الواعي والمتعلم.

كما أولى مؤسسها عناية خاصة باللغة العربية، فخرجت المجلة بلغة تجمع بين الفصاحة والوضوح، وأصبحت مدرسة صحفية أثرت في جيل كامل من الأدباء والصحفيين.

دور كوردي

تُظهر تجربتا “كردستان” و”المقتبس” حجم الدور الذي أدّاه الكورد في تأسيس الصحافة الحديثة في الشرق الأوسط. فقد ساهموا في إنشاء صحف ومجلات عربية وكوردية وتركية، وأسهموا في نشر قيم التنوير والعقلانية والانفتاح الثقافي.

ويرجع ذلك إلى عوامل عدة، منها التعدد اللغوي والانفتاح الثقافي واهتمام العديد من الأسر الكردية بالعلم والأدب، ما أفرز نخبة من الصحفيين والمترجمين والمفكرين الذين لعبوا دوراً بارزاً في النهضة الحديثة.

تميّزت مدرسة محمد كورد علي بثلاثة مبادئ أساسية: احترام العقل والعلم، والدفاع عن اللغة العربية بوصفها وعاء الحضارة، والانفتاح على الثقافات العالمية دون فقدان الهوية الشرقية.

كما كان شديد الإيمان بدور الصحافة في مقاومة الاستبداد، وتعرض للملاحقة والرقابة بسبب كتاباته الجريئة، لكنه واصل مشروعه بإصرار، مؤمناً بأن حرية الصحافة شرط أساسي لأي نهضة حقيقية.

سيرة حياة

هو محمد بن عبد الرزاق بن محمد كورد علي، ولد في دمشق عام 1876، وينحدر من أسرة كردية تعود أصولها إلى السليمانية. تلقى تعليمه في دمشق، وأبدى منذ صغره شغفاً بالقراءة والكتابة وجمع الكتب.

وفي عام 1897 عُهد إليه بتحرير جريدة “الشام” الأسبوعية الحكومية، ثم بدأ بمراسلة مجلة “المقتطف” المصرية، لتنتقل شهرته إلى مصر. وبعد انتقاله إلى القاهرة عمل في عدد من الصحف، وتعرف إلى نخبة العلماء والأدباء، مما أسهم في اتساع آفاقه الفكرية.

عاد إلى دمشق، ثم هاجر مجدداً إلى مصر عام 1906، حيث أنشأ مجلة “المقتبس” وتولى تحرير عدد من الصحف. وبعد إعلان الدستور العثماني عام 1908 عاد إلى دمشق وأصدر مجلة “المقتبس” وجريدتها اليومية، وأنشأ مطبعة خاصة بها.

ورغم ما تعرض له من مضايقات وملاحقات سياسية، واصل مشروعه الثقافي والصحفي بإصرار، متنقلاً بين دمشق والقاهرة وبعض العواصم الأوروبية.

مجمع عربي

بعد قيام الحكومة العربية في دمشق عام 1919، وجد محمد كورد علي الفرصة لتحقيق حلمه بإنشاء مجمع علمي عربي يُعنى باللغة والتراث والعلوم. فتم تأسيس المجمع العلمي العربي في دمشق، وعُين رئيساً له، وظل في هذا المنصب حتى وفاته.

وقد كرّس حياته لخدمة المجمع، حتى أصبح أحد أبرز المؤسسات الثقافية في العالم العربي، ومهّد الطريق لظهور مجامع اللغة العربية في مصر ودول عربية أخرى.

وقد جمع محمد كورد علي بين الصحافة والتأليف والعمل الأكاديمي والإداري، وتولى وزارة المعارف مرتين. وتميز أسلوبه بالسلاسة والوضوح والابتعاد عن التكلف، مع التركيز على المعنى والرسالة الفكرية.

ترك أكثر من اثنين وعشرين مؤلفاً في التاريخ والحضارة والأدب والفكر، من أشهرها: “الإسلام والحضارة العربية”، و”تاريخ الحضارة”، و”غرائب الغرب”، و”أمراء البيان”، و”المذكرات”.

وقد توفي في دمشق يوم 2 أبريل 1953، بعد أن ترك بصمة خالدة في تاريخ الصحافة والثقافة العربية، بوصفه أحد كبار البنّائين الأوائل للصحافة العربية الحديثة، ورمزاً للمثقف الذي جمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الانتماء الثقافي والرسالة الإنسانية.