"تعال يا وردتي الكوردية".. كيف تحولت من أغنية تراثية إلى ظاهرة موسيقية في مصر والعالم العربي؟

"تعال يا وردتي الكوردية".. كيف تحولت من أغنية تراثية إلى ظاهرة موسيقية في مصر والعالم العربي؟
"تعال يا وردتي الكوردية".. كيف تحولت من أغنية تراثية إلى ظاهرة موسيقية في مصر والعالم العربي؟

فجأة أصبحت الأغنية الكوردية "تعالي ياوردتي" حديث الشارع المصري، تغنى في جميع المناسبات والأعراس خاصة ، وتتنافس في غناءها الفرق الجماعية ، ومنها فرقة "روح الشرق" التي أبدعت فيها ، وأنتشرت بأصوات أعضاءها حيث حفظوها بلغتها الأم الكوردية .وهي تنطق  أيضا في مصر بنفس الكلمات الكوردية "هيره كولي" (Kurmanci Hêre Gûle).

رئيس ومؤسس الفرقة المايسترو محمود محسن قال لكوردستان 24 أنه وجد في تلك الأغنية الكوردية روحا تراثية وعمقا موسيقيا لم يعثر عليه في أغنيات أخرى ، بل إن فريق روح الشرق حفظ الأغنية بالكوردي في يوم واحد وتم غناءها في عشرات المناسبات داخل مصر وخارجها .

ورغم أن كثيرًا من المستمعين العرب لا يفهمون الكلمات الكردية للأغنية، فإن اللحن المميز والإيقاع الحيوي ساهما في انتشارها بشكل واسع في مصر والعالم العربي، لتتحول إلى خلفية موسيقية لملايين المقاطع المصورة على منصات «تيك توك» و«إنستجرام» و«فيسبوك».

جذور الأغنية في التراث الكوردي

تنتمي الأغنية إلى التراث الشعبي الكوردي، الذي يُعد من أقدم وأغنى التقاليد الموسيقية في منطقة الشرق الأوسط. ويعتمد الغناء الكوردي التقليدي على نقل الأغاني شفهيًا من جيل إلى آخر، ما جعل كثيرًا من الأعمال الفنية جزءًا من الذاكرة الجماعية للشعب الكوردي.

وتدور موضوعات الأغاني الكوردية غالبًا حول الحب والطبيعة والحنين والبطولة والارتباط بالأرض، حيث تحضر الجبال والورود والأنهار كرموز أساسية في النصوص الغنائية. لذلك لم يكن غريبًا أن تحمل الأغنية صورة «الوردة» باعتبارها رمزًا للجمال والحب في الثقافة الكردية.

من كردستان إلى العالم العربي

بدأت الأغنية رحلتها من المناطق الكوردية في العراق وسوريا وتركيا وإيران، حيث كانت تؤدى في المناسبات الاجتماعية والأعراس والاحتفالات الشعبية. ومع تطور وسائل الإعلام الرقمية وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، وجدت الأغنية طريقها إلى جمهور جديد خارج البيئة الكوردية.

وسرعان ما انتشرت المقاطع الموسيقية الخاصة بها في العديد من الدول العربية، خاصة في مصر والسعودية والإمارات والأردن ولبنان والمغرب. وقد ساهم صناع المحتوى والمؤثرون في تعزيز هذا الانتشار من خلال استخدامها في مقاطع الرقص والسفر والاحتفالات والمشاهد اليومية.

الأغنية في مصر

شهدت مصر خلال الأشهر الأخيرة موجة كبيرة من استخدام الأغنية في مقاطع الفيديو القصيرة، حيث لاقت قبولًا واسعًا بين الشباب. وأصبحت الموسيقى المصاحبة للأغنية جزءًا من المحتوى الترفيهي على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى إن كثيرًا من المستخدمين بدأوا في البحث عن ترجمة كلماتها ومعرفة قصتها الأصلية.

ويرى متابعون أن نجاح الأغنية في مصر يعود إلى التشابه بين الذائقة الشعبية العربية والكوردية فيما يتعلق بالإيقاعات الراقصة والألحان العاطفية، وهو ما ساعد على تجاوز حاجز اللغة.
الذكاء الاصطناعي يحي التراث 

مع الانتشار الكبير للأغنية، ظهرت نسخ حديثة ومتعددة منها، بعضها اعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الصوت وإعادة توزيع الموسيقى وتنقية التسجيلات القديمة.

وقد أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة للمنتجين والموزعين الموسيقيين تطوير تسجيلات تراثية وإخراجها بصورة أكثر جاذبية للأجيال الجديدة، دون المساس بجوهر العمل الأصلي. كما ساعدت هذه التقنيات في إنتاج نسخ مناسبة للمنصات الرقمية المختلفة، وهو ما أسهم في تسريع انتشار الأغنية عالميًا.

ومع ذلك، فإن الأغنية نفسها ليست من تأليف الذكاء الاصطناعي، بل تعود جذورها إلى التراث الكردي، بينما استُخدمت التقنيات الحديثة في عمليات المعالجة الصوتية والإنتاج والتوزيع.

كما توجد للأغنية أكثر من نسخة وأداء داخل كوردستان، إذ اعتاد الفنانون الشعبيون والفرق الفلكلورية تقديمها في المناسبات الاجتماعية والأعراس. كما ظهرت تسجيلات حديثة لفنانين كورد أعادوا إحياء التراث الموسيقي بأساليب معاصرة.

وتُعد «تعال يا وردتي الكوردية» نموذجًا حيًا لقدرة الأغنية التراثية على التجدد والبقاء. فمن خلال المزج بين الأصالة الكوردية والتقنيات الحديثة، استطاعت أن تنتقل من ساحات الاحتفال الشعبية في كوردستان إلى هواتف ملايين المستخدمين في العالم العربي، لتصبح جسرًا ثقافيًا يربط الشعوب عبر لغة الموسيقى العالمية التي لا تحتاج إلى ترجمة.

مصريون يبدعون في غناءها بالكوردية 

في حديث ممتع يفيض بالشغف والتطلع، يروي المايسترو محمود محسن، مؤسس ومدرب فريق "كورال روح الشرق"، ملامح تلك التجربة الاستثنائية التي غيرت وجه الغناء الجماعي في العالم العربي. يستهل المايسترو حديثه بالإشارة إلى اللحظات الأولى لتأسيس الفريق، معرباً عن دهشته وفخره بالصدى الواسع والموجات الارتدادية التي أحدثها الكورال في المشهد الموسيقي؛ حيث يوضح أن الساحة باتت تضم اليوم آلاف الفرق الغنائية التي تسير على نهج "روح الشرق" وتتبنى ذات المنطق الفني والشكل التنظيمي، المتمثل في جلوس الفتيات في المقدمة واصطفاف الشباب من خلفهن، مما حول الكورال من مجرد عنصر مساعد إلى بطل مستقل يقود الأغنية وينشر البهجة.

ويؤكد محسن أن هذا النجاح والانتشار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة لشغف حقيقي بالتجريب واختراق الحواجز التقليدية، مشيراً إلى أن الفريق اعتاد السفر والترحال وجعل من التنقل جزءاً أصيلاً من هويته، حيث طافوا بلاداً كثيرة وأحيوا ما يزيد عن مئة وخمس عشرة حفلة خارج حدود مصر، وكانت جميعها بحمد الله كاملة العدد ولاقت إقبالاً جماهيرياً منقطع النظير. هذا الاحتكاك المستمر بالثقافات المختلفة عزز لديهم الجرأة على تقديم الفن بلغات متعددة،

ويستذكر المايسترو بابتسامة كيف غنى الكورال على مدار مسيرته بالإنجليزية والفرنسية والتركية، بل إن بدايتهم الأولى شهدت مغامرة فريدة حين غنوا باللغة الصينية، مستنداً في ذلك إلى ذاكرته الموسيقية التي لا تنسى مثل هذه التحديات.

وعن محطتهم الأخيرة والأكثر تميزاً، يتحدث المايسترو محمود محسن بكثير من الإعجاب عن تجربة الغناء باللغة الكوردية، كاشفاً أنها كانت المرة الأولى التي يخوض فيها الفريق هذا اللون، والمرة الأولى التي يستمع فيها هو شخصياً إلى الموسيقى الكردية. ويشرح أن الفكرة بدأت حين لاحظ انتشاراً واسعاً لأغنية كوردية على منصات التواصل الاجتماعي صُنعت في الأصل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ونالت إعجاب الملايين من رواد السوشيال ميديا، مما أثار فضول الفريق ودفعهم للتساؤل عن المانع من إعادة تنفيذها بأسلوبهم الخاص كما فعلوا مع آلاف الأغاني السابقة.

الشباب يحفظونها بالكوردي 

وعن كيفية تجاوز عقبة اللغة، يشير محسن إلى أنهم استعانوا بأصدقاء مقربين ممن لديهم دراية باللغات والترجمة لصياغة الكلمات وفهم معانيها بدقة، ومن ثم بدأت مرحلة تحفيظ الشباب، حيث يوضح أن العملية لم تستغرق وقتاً طويلاً لأن اللهجة الكوردية رغم خصوصيتها بدت قريبة جداً من الروح والوجدان العربي، وهي تجربة لطيفة فتحت عينيه على جمال الألحان الكوردية العذبة وجعلته حريصاً على الاستماع إليها باستمرار منذ ذلك الحين.

وينتقل المايسترو للاستفاضة في الأثر الثقافي لهذه الخطوة، مشدداً على الأهمية البالغة لصياغة وتداول الأغنية الكوردية وإعادة تقديمها للمستمع العربي والمصري؛ ويرى أن هذا التراث الموسيقي الإنساني الغني بالشجن والعاطفة يستحق أن يخرج من حيزه الجغرافي الضيق ليتكامل مع وجدان المحيط العربي، مؤكداً أن الموسيقى تظل اللغة العالمية التي تذيب الحدود السياسية وتؤكد على وحدة المشاعر الإنسانية. ويضيف أن إعادة تقديم هذه الألحان بأصوات مصرية وعربية يمنح التراث الكوردي قبلة حياة جديدة، ويحمي الأغاني التراثية القديمة من النسيان عبر وسائل الانتشار العصرية، مما يصنع جسراً ثقافياً متيناً وحالة من السلام والتعاطف المشترك بين الشعوب.

وفي ختام حواره، يلتفت المايسترو بنبرة يملؤها الأسف إلى الواقع الحالي، مشيراً إلى أن الظروف الراهنة وأجواء الحرب في المنطقة قد ألقت بظلالها على مخططات الكورال الأخيرة، مما أدى للأسف الشديد إلى تأجيل عدة حفلات كان الفريق قد تعاقد عليها في العراق و الكويت ودول الخليج العربي إلى أجل غير مسمى. ورغم هذه العقبات، يختتم المايسترو محمود محسن حديثه بالإصرار والتأكيد على أن رسالة "كورال روح الشرق" لن تتوقف، وأنهم سيظلون يبحثون عن الجمال الكامن في الألحان التراثية والأفكار المبتكرة، متجاوزين حدود اللغات والمسافات ليصلوا بفنهم إلى قلب كل مستمع.