عندما تذوب الحدود: ملحمة "رقية" وقيم "المدرسة البارزانية" في التلاحم الوطني

عندما تذوب الحدود: ملحمة "رقية" وقيم "المدرسة البارزانية" في التلاحم الوطني
عندما تذوب الحدود: ملحمة "رقية" وقيم "المدرسة البارزانية" في التلاحم الوطني

في لحظات الفجيعة، يسقط كل شيء، ولا يتبقى سوى "الإنسان". لقد كانت الحادثة الأليمة لغرق الطفلة "رقية" في إقليم كوردستان، وما تبعها من جهود مضنية للبحث عن جثمانها، انعكاساً صادقاً لنبض عراقي واحد ينبض في جسد متعدد الأطياف. إنَّ هبّة أهالي حلبجة ومنطقة هورامان لم تكن مجرد استجابة لنداء الواجب، بل كانت تجسيداً لثقافة راسخة في عمق المجتمع الكوردستاني، وهي الثقافة التي أرست دعائمها "المدرسة البارزانية" الممتدة لأكثر من قرنين من الزمن.
إنَّ هذه المدرسة، التي تشكلت عبر مسيرة نضالية وإنسانية طويلة، لم تكن يوماً مجرد نهج سياسي، بل هي مرجعية قيمية عليا أسست لفلسفة إنسانية متسامحة، لا تعرف التمييز بين إنسان وآخر بناءً على عرق أو مذهب. وعندما يُشيد رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، بجهود الأهالي، فهو لا يتحدث بصفته رئيساً للحكومة فحسب، بل بصفته امتداداً لهذا الإرث القيمي الذي يرى في "النخوة" واجباً وطنياً يتجاوز الحدود الجغرافية. إنَّ إشادة بارزاني تعكس إيماناً عميقاً بأن قيم البذل التي تميز بها شعب كوردستان هي الركيزة الأساسية التي استمدها من عمق التاريخ البارزاني، حيث كان الإنسان دائماً هو الغاية والهدف.
إنَّ هذا التعاطف الفطري الذي شهدناه في حلبجة، والاعتزاز به في أعلى مستويات القيادة، هو صمام الأمان الذي يحمي السلم المجتمعي في بلدٍ يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى هذا الامتزاج العاطفي بين أبنائه. إنَّ "المدرسة البارزانية" لطالما علمتنا أنَّ العراقيين بمختلف أطيافهم هم نسيج واحد، وأنَّ آلة الكراهية والشوفينية، مهما حاولت استخدام معاولها لتمزيق هذا النسيج، ستظل مكسورة أمام جبل الشموخ الإنساني الذي يعلي من قيمة الفرد وكرامته.
إنَّ تلاحم المواطن في حلبجة مع مصاب عائلة من كربلاء يبعث برسالة قوية: أن النسيج الوطني العراقي قد يُهز، لكنه لا يتمزق، وأن "الرابط الإنساني" هو الحصن الذي لن تستطيع معاول التفرقة كسره مهما بلغت قوتها. لقد أثبت السكان في حلبجة وهورامان أنهم، في استجابتهم لهذه الفاجعة، يجسدون دروس الإنسانية التي تراكمت عبر قرنين من النضال، حيث لا فرق بين طفلٍ في كربلاء وطفلٍ في حلبجة؛ فالجميع أبناء هذا الوطن، والجميع يستحقون منا كل صور التكاتف.
 فتعاطف القيادة مع المواطن، وتكاتف الشعوب في المحافظات العراقية في أوقات الشدة، هما الضمانة الحقيقية لمستقبل أكثر استقراراً. فالعراق الذي يمتزج فيه دم المدافعين عن الأرض في الخنادق، وتختلط فيه دموع الحزن في الفواجع، هو العراق الذي لا يمكن أن يُهزم. ستبقى حادثة الطفلة "رقية" شاهداً على أن قيم الإنسانية، التي زرعتها "المدرسة البارزانية" في الوجدان الكوردستاني، ستظل دائماً أعلى من ضجيج الكراهية، وأنَّ النخوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العراقيون حين يناديهم ضميرهم الإنساني.