أحمد الحمداني
كاتب
مفارقة 14 تموز: كيف أجهضت "عقلية بغداد" وعود التغيير في العراق؟
لم تكن الفرحة التي غمرت بغداد في 14 تموز 1958، عقب الإطاحة بالعهد الملكي وإعلان النظام الجمهوري، انعكاساً لمزاج عام موحد في جبال كوردستان. فبالنسبة للكورد، في أجزائهم الأربعة، لم يمثل هذا التاريخ انتصاراً لنموذج سياسي جديد بقدر ما كان مؤشراً على حقبة انتقالية محفوفة بالشكوك؛ إذ كان الاعتقاد السائد لدى القواعد الشعبية والنخب الكوردية جازماً بأن النظام الجمهوري، مثله مثل الملكي، لا يحمل في طياته تبشيراً بالعدالة أو الاعتراف بالحقوق القومية.
لقد كان الاستثناء الوحيد في هذا المشهد المتوجس هو البعد الإنساني والرمزي؛ حيث اعتبر الكورد أن 14 تموز فتح باباً للانفراجة بعودة مرجعهم الروحي، سماحة الشيخ أحمد بارزاني، من منفاه، وعودة شقيقه القائد العسكري الملهم الملا مصطفى بارزاني من الاتحاد السوفيتي. كان ذلك التاريخ بالنسبة للكورد محطة مفصلية، ليس للاحتفاء بـ"الجمهورية"، بل لإطلاق عهد جديد من النضال السياسي السلمي الذي طالما تطلعوا لاستبداله بالخيار العسكري القسري.
لكن هذه الفرحة سرعان ما تبددت. فمع مرور الوقت، اصطدمت القيادة الكوردستانية بتلك "العقلية البغدادية" المتجذرة، ذاتها التي أديرت بها البلاد إبان فترة الانتداب البريطاني. لقد أثبتت التجربة أن التغيير من الملكية إلى الجمهورية كان تغييرا في الهياكل لا في الجوهر؛ حيث ظلت العقلية المركزية أسيرة لنزعات شوفينية ترفض قبول مبدأ الشراكة الحقيقية، وتتعامل مع التعددية القومية كتهديد وجودي بدلاً من كونها ركيزة لبناء الدولة.
إن التعنت الذي أبدته بغداد في التعامل مع التطلعات الكوردية المشروعة كشف عن فشل ذريع في التخلص من "المتلازمة التاريخية" التي حكمت العلاقة بين المركز والأطراف. فلم تكن الوعود بـ"الشراكة" أكثر من شعارات للاستهلاك السياسي، بينما استمرت الأجهزة الأمنية والبيروقراطية في ممارسة سياسات الإقصاء والتهميش.
وبحلول عام 1961، لم يعد أمام الكوردستانيين خيار سوى المواجهة. لقد عادت "حليمة"-بغداد الى "عادتها القديمة"، مستخدمة لغة السلاح والإكراه بدلاً من الحوار الدستوري، لتعيد إنتاج دورة العنف التي بدأت منذ عقود. إن اندلاع ثورة أيلول عام 1961 لم يكن خياراً ترفيهياً، بل كان رد فعل اضطرارياً على سلطة مركزية فشلت في اختبار التحول الديمقراطي، وفضلت الانغلاق القومي على الانفتاح الوطني.
في قراءة تاريخية متأخرة، يظل ما بعد 14 تموز 1958 نموذجاً حياً لفشل مشاريع بناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار. لقد أهدرت بغداد الفرصة الذهبية لتأسيس عقد اجتماعي متين يجمع مكونات العراق، مفضلةً الانكفاء على نموذج الدولة الموحدة قسرياً. ويبقى هذا الفشل التاريخي هو المفتاح الأساسي لفهم التعقيدات الراهنة التي تشوب العلاقة بين أربيل وبغداد، والتي لا تزال تدفع ثمن السياسات التي صيغت في أروقة السلطة منذ أكثر من ستة عقود.