حين لا تكتمل الرواية: دروس من ثورة العشرين وصمود الجبال في كوردستان

حين لا تكتمل الرواية: دروس من ثورة العشرين وصمود الجبال في كوردستان
حين لا تكتمل الرواية: دروس من ثورة العشرين وصمود الجبال في كوردستان

أربيل (كوردستان24)- بينما يستذكر العراق، بوجدان شعبي دافئ، محطات "ثورة العشرين" الخالدة التي انطلقت شرارتها في 30 حزيران (يونيو) 1920، وتستحضر الذاكرة الوطنية ملاحم الأبطال الذين واجهوا الانتداب البريطاني في وسط وجنوب البلاد طوال أشهرٍ خمسة من الكفاح المسلح، يفرض الواجب التاريخي علينا أن نوسع دائرة الضوء لنتجاوز السرديات المبتسرة. إن التاريخ الوطني العراقي لوحة فسيفسائية لا تكتمل إلا بذكر تلك القمم الشامخة في كوردستان، حيث لم تكن المواجهة هناك مجرد "انتفاضة عابرة"، بل كانت مسيرة نضالية ملحمية طالت سنوات.
هل تعلم أن لا أحد يعرف –أو يكاد– أن المقاتلين الكورد في كوردستان قد نجحوا في إسقاط طائرات بريطانية حربية من نوع "فيكرز فيرنون" (Vickers Vernon) الشهيرة، التي كانت تُعد فخر سلاح الجو الملكي في ذلك الوقت؟ تلك الحادثة التي وقعت عام 1932 حين أُسقطت الطائرة البريطانية ببراعة فائقة من قبل الثوار البارزانيين، لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل كانت صدمة هزت أركان القيادة البريطانية، وأجبرتها على إعادة حساباتها العسكرية في مناطق الجبال الوعرة. لم يكتفِ الثوار بإسقاط "الغول" الجوي الذي كان يرعب القرى، بل قاموا بأسر طاقم الطائرة، في واقعة سجلتها الأرشيفات العسكرية كواحدة من أكثر لحظات التحدي إيلاماً للاحتلال.
إن استذكار ثورة العشرين -بما حملته من دلالات الوحدة الوطنية- يفتح الباب لاستحضار الإرث النضالي لرموز كبار في كوردستان، أمثال الشيخ محمود الحفيد، والشيخ أحمد البارزاني، والملا مصطفى البارزاني. هؤلاء القادة الذين خاضوا معارك ضارية امتدت لسنوات متقطعة، تحدوا فيها جبروت "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس".
لقد كانت هذه التضحيات الجسام، والضغط العسكري المستمر في الجبال، وقوة نيران الثوار التي أسقطت الهيبة البريطانية، عوامل حاسمة أجبرت الاحتلال البريطاني والحكومة العراقية وقتها على الرضوخ لبعض المطالب الكوردية. فبعد سنوات من الاستنزاف، أدرك البريطانيون أن سياسة "القمع المطلق" لن تضمن استقرار الشمال؛ مما دفعهم –والمملكة العراقية آنذاك– إلى إجراء مفاوضات واعترافات جزئية بخصوصية المنطقة. تجلى ذلك في منح بعض الزعامات الكوردية أدواراً إدارية أوسع، والاعتراف الضمني بخصوصية الهوية الثقافية والاجتماعية لكوردستان، وهي مكاسب سياسية لم تكن لتتحقق لولا لغة القوة التي فرضها الثوار في الميدان. لقد تحولت مطالب القيادة الكوردية من مجرد صرخات للرفض إلى بنودٍ ضمنية في الحوار السياسي، مما أرسى قواعد أولية لما عرف لاحقاً بملف "الإدارة الذاتية" الذي ظل هاجساً يؤرق صناع القرار في بغداد ولندن.
إن التبني التاريخي للمقاومة ضد الاحتلال يجب أن يُقرأ ككتلة واحدة؛ فمن الرميثة في الجنوب وصولاً إلى أعالي جبال بارزان والسليمانية في كوردستان، كان الهدف واحداً: الكرامة والسيادة. إن ذكرى ثورة العشرين تظل منارة، ولكنها تزداد بريقاً حين نربطها بنضالات الشيخ محمود الحفيد، وبنضالات عائلة البارزاني التي حوّلت الجبال إلى قلاع عصية على الانكسار.
اليوم، ونحن نستعيد هذه الذكريات، لا ننظر إلى الماضي من باب التمجيد فحسب، بل لاستلهام الدروس في الصمود والثبات. فالمعركة التي خاضها أجدادنا كانت صرخة حق بوجه الطغيان، وهي رسالة لكل الأجيال بأن التضحية هي الضريبة الوحيدة لحماية الوطن. إن استذكارنا لهؤلاء الأبطال هو استذكار لعزة العراقيين جميعاً، وتأكيد على أن تاريخنا المشترك هو الذي صاغ هويتنا الوطنية، التي تزداد تماسكاً كلما استعدنا تفاصيل التضحيات التي قُدمت على مذبح الحرية في كل شبر من أرض العراق