سیاسة
أ.د نزار خورشيد مامه
أ.د نزار خورشيد مامه

محرر

العراق واستحقاق السيادة المؤجل

العراق واستحقاق السيادة المؤجل
العراق واستحقاق السيادة المؤجل

كلما طُرح ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق، عاد السؤال القديم ليفرض نفسه: هل نحن أمام مشروع حقيقي لإعادة بناء الدولة، أم أمام شعار سياسي جديد سينضم إلى قائمة الشعارات التي استهلكها الخطاب الرسمي على مدى العقدين الماضيين؟

اللافت هذه المرة أن الظروف تختلف عن سابقاتها. فالحكومة العراقية لا تتحرك في فراغ، بل في بيئة إقليمية تشهد تحولات متسارعة، وانكفاءً لبعض مراكز النفوذ، وإعادة رسم لأولويات الأمن والسياسة في الشرق الأوسط. وهذه المتغيرات تمنح بغداد فرصة نادرة لإعادة تعريف مفهوم السيادة، ليس بوصفه خطاباً وطنياً، بل باعتباره ممارسة يومية تحتكم إلى الدستور والقانون.

لقد أثبتت التجربة العراقية منذ عام 2003 أن بناء المؤسسات أسهل بكثير من بناء الدولة. فقد تشكلت حكومات وتعاقبت برلمانات، وأُجريت انتخابات متعددة، وتأسست أجهزة أمنية وعسكرية متنوعة، لكن السؤال الجوهري ظل معلقاً: من يملك القرار النهائي في استخدام القوة؟

في جميع دول العالم المستقرة، تكون الإجابة بديهية: الدولة وحدها. أما في العراق، فقد ظلت الإجابة محاطة بالاستثناءات والتفسيرات والضرورات السياسية، حتى أصبح الاستثناء قاعدة، وغدا المؤقت دائماً، وتحولت ازدواجية القوة إلى جزء من المشهد السياسي الذي اعتاد عليه الجميع.

ولا ينبغي هنا تجاهل السياق التاريخي. فقد مر العراق بظروف استثنائية، من انهيار مؤسسات الدولة بعد عام 2003، إلى الحرب الطاحنة ضد تنظيم (داعش)، وهو ما أوجد تشكيلات مسلحة لعبت أدواراً بارزة في الدفاع عن البلاد. غير أن الدول الرشيدة تُقاس بقدرتها على الانتقال من منطق الضرورة إلى منطق المؤسسة، ومن شرعية اللحظة إلى شرعية الدستور. فما كان مبرراً في ظرف استثنائي لا يجوز أن يتحول إلى قاعدة دائمة تحكم مستقبل الدولة.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة ليس وجود السلاح خارج مؤسساتها فحسب، بل اعتياد المجتمع على هذا الواقع حتى يصبح أمراً طبيعياً. عندها يتراجع الإيمان بالقانون، ويبحث الأفراد عن الحماية في الانتماءات الضيقة، وتتآكل هيبة الدولة بصمت، لا بفعل الانقلابات أو الحروب، بل بفعل تراكم التنازلات الصغيرة.

ومن هنا، فإن الحديث عن حصر السلاح يجب ألا يُفهم على أنه مواجهة بين الحكومة وهذه الجهة أو تلك، بل باعتباره تصحيحاً لمسار الدولة نفسها. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على تعدد المرجعيات الأمنية أو ازدواجية القرار العسكري. كما أن احتكار القوة ليس امتيازاً تمنحه السلطة لنفسها، بل مسؤولية دستورية تتحملها أمام المجتمع.

ولعل المشكلة الأعمق أن العراق دفع أثماناً باهظة نتيجة غياب هذه القاعدة. فقد انعكس تعدد مراكز القوة على السياسة الخارجية، وأربك صورة البلاد لدى المستثمرين، وأضعف ثقة المواطن بقدرة المؤسسات على فرض القانون. وحتى عندما كانت الحكومات تتخذ قرارات مهمة، بقي السؤال مطروحاً في الداخل والخارج: هل تمتلك السلطة التنفيذية القدرة الكاملة على تنفيذ ما تقرره؟

اقتصادياً، لا يحتاج العراق إلى المزيد من المؤتمرات الاستثمارية بقدر حاجته إلى بيئة قانونية وأمنية مستقرة. فالشركات العالمية لا تستثمر في النصوص، بل في الوقائع. وهي تبحث عن دولة ذات قرار موحد، وقضاء نافذ، وأجهزة أمنية واضحة الصلاحيات، لا عن شبكة معقدة من مراكز النفوذ المتداخلة. ومن هنا فإن حصر السلاح ليس قضية أمنية فحسب، بل شرط من شروط التنمية وإعادة الإعمار.

سياسياً، تبدو الحكومة أمام اختبار بالغ الحساسية. فالنجاح في هذا الملف يتطلب شجاعة في القرار وحكمة في التنفيذ. إذ لا يمكن معالجة قضية بهذا الحجم بمنطق الصدام، كما لا يمكن تركها رهينة التسويف. المطلوب هو مسار تدريجي يقوم على تعزيز سلطة المؤسسات، وترسيخ الثقة، وإخضاع الجميع لقواعد واحدة من دون انتقائية أو استثناء.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على جمع السلاح فقط، بل بقدرتها على تقديم البديل. فالدولة التي تطالب بولاء مواطنيها عليها أن تكون قادرة على حمايتهم، وتطبيق العدالة بينهم، ومحاربة الفساد داخل مؤسساتها، وإقناعهم بأن القانون هو الملاذ الأول والأخير. أما إذا بقيت عاجزة عن أداء هذه الوظائف، فإن أي مشروع لحصر السلاح سيظل ناقصاً مهما بلغت جديته.

ومن زاوية أخرى، فإن نجاح بغداد في هذا المسار ستكون له انعكاسات إيجابية على مجمل البنية الاتحادية للعراق، بما في ذلك العلاقة مع إقليم كردستان وبقية المحافظات. فالدولة القوية ليست تلك التي تفرض إرادتها على شركائها، بل التي تضمن تطبيق الدستور بعدالة، وتحترم توزيع الصلاحيات، وتدير التنوع السياسي والإداري ضمن إطار مؤسساتي واضح. إن استقرار العراق لا يتحقق بالمركزية المفرطة ولا بتعدد مراكز القوة، وإنما بدولة اتحادية تعمل وفق قواعد متفق عليها وتحظى بثقة جميع مكوناتها.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من الإفراط في التفاؤل. فملف السلاح ظل لعقود من أعقد الملفات العراقية، وتداخلت فيه اعتبارات داخلية وإقليمية ودولية. ومن السذاجة الاعتقاد بأن المشكلة ستحل بقرار حكومي أو بخطاب سياسي. لكنها في المقابل لن تُحل أبداً إذا استمرت الحكومات في التعامل معها بوصفها ملفاً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

لقد آن الأوان لأن ينتقل العراق من مرحلة إدارة التوازنات إلى مرحلة بناء الدولة. فالتوازنات قد تمنع الانفجار مؤقتاً، لكنها لا تؤسس لاستقرار دائم. أما الدولة، فلا تستقيم إلا عندما يكون السلاح خاضعاً لسلطة واحدة، والقرار الأمني صادراً من مؤسسة واحدة، والولاء النهائي للدستور وحده.

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الحكومة قادرة على إطلاق مشروع حصر السلاح، بل ما إذا كانت مستعدة لتحمل كلفته السياسية في سبيل مصلحة الدولة. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهض بالشعارات، وإنما بالقرارات الصعبة التي تُتخذ في اللحظات الحاسمة.

وربما تكون هذه اللحظة واحدة من تلك اللحظات. فإذا نجحت بغداد في ترسيخ مبدأ أن لا سلاح خارج إطار القانون ولا قرار فوق قرار الدولة، فإنها لن تحقق انتصاراً أمنياً فحسب، بل ستضع الحجر الأساس لعراق أكثر استقراراً وقدرة على حماية سيادته واستثمار موارده واستعادة مكانته الإقليمية. أما إذا أُهدر هذا الظرف كما أُهدرت فرص كثيرة من قبل، فإن العراقيين سيجدون أنفسهم مرة أخرى أمام دولة تحمل كل مظاهر السيادة، لكنها ما زالت تبحث عن جوهرها.