الأزهر والإفتاء واتحاد علماء كوردستان توافق فريد من نوعه وإشعاع حضاري ومظلة إسلامية وتاريخ مشترك

الأزهر والإفتاء واتحاد علماء كوردستان توافق فريد من نوعه وإشعاع حضاري ومظلة إسلامية وتاريخ مشترك
الأزهر والإفتاء واتحاد علماء كوردستان توافق فريد من نوعه وإشعاع حضاري ومظلة إسلامية وتاريخ مشترك

تضرب العلاقات الدينية والثقافية بين جمهورية مصر العربية وإقليم كردستان العراق بجذورها في أعماق التاريخ، متجاوزة حدود الجغرافيا لتستقر في وجدان الشعبين الشقيقين. هذه العلاقات ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكم تاريخي طويل وممتد، يستند إلى مشتركات روحية وثقافية

إذ أن مفردات وأصول العقيدة بين الجانبين تستند على ثوابت دينية من واقع الشريعة الإسلامية ، ثوابت وقيم تجمع أهل إقليم كوردستان بمصر، كان له الأثر البالغ في توجيه بوصلة الكورد نحو مصر. 
وما زاد من عمق تلك العلاقات ذلك الأثر الخالد للقائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي، الذي ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ مصر والعالم الإسلامي أجمع. وفي العصر الحديث، تجسدت هذه الروابط في علاقات سياسية وإنسانية متينة، تجلت في الترحيب الكبير الذي لقيه الزعيم الكوردي الراحل مصطفى البارزاني من قِبل الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، وافتتاح أول إذاعة كوردية في القاهرة، لتكون مصر بذلك حاضنة وداعمة مبكرة للصوت الكوردي.
ومن رحم هذا التاريخ المشترك، ووسط تطلعات لترسيخ هوية دينية معتدلة تحمي المجتمع، برزت الحاجة إلى مأسسة العمل الديني في كوردستان وتوثيق ربطه بالمرجعيات الإسلامية الكبرى. ففي الحادي والعشرين من سبتمبر من عام 1970، كُللت الجهود الكوردية الرامية إلى تنظيم الشأن الديني بتأسيس "اتحاد علماء الدين الإسلامي في كوردستان".

 جاء هذا التأسيس كخطوة استراتيجية حاسمة بمشاركة نخبة من كبار علماء الإقليم، وتحت إشراف مباشر ورعاية كريمة من القائد القومي الملا مصطفى البارزاني. كان الهدف الأساسي من وراء هذا الكيان هو إنشاء مؤسسة مهنية مستقلة تتولى إدارة شؤون الفتوى وعلماء الدين في عموم أنحاء الإقليم، وتعمل على غرس قيم التسامح والوسطية التي عُرف بها المجتمع الكوردي عبر تاريخه. ومنذ اللحظة الأولى لتأسيس الاتحاد، أدرك القائمون عليه أن الانفتاح على المؤسسات الدينية الكبرى هو الضمانة الحقيقية لاستمرار هذا النهج الوسطي؛ فكانت الوجهة الطبيعية والقبلة العلمية هي القاهرة، ممثلة في الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية. ومنذ ذلك التاريخ المبكر، لم تنقطع جسور التواصل، بل أخذت تزداد رسوخاً وتتخذ أشكالاً أكثر عمقاً وتأثيراً.

ومع مطلع الألفية الجديدة، أدرك الجانبان أن العلاقات القوية تحتاج إلى أطر مؤسسية وأكاديمية تضمن استدامتها وانتقالها من جيل إلى جيل. بناءً على ذلك، انتقلت الروابط من إطار الزيارات الودية والتنسيق العام إلى مستوى العمل الأكاديمي الممنهج. ففي عام 2001، قام وكيل الأزهر الراحل، الشيخ محمود عاشور، بزيارة تاريخية إلى إقليم كردستان أسفرت عن توقيع عدة بروتوكولات تعاون مفصلية.

 ولم تمضِ فترة طويلة حتى قام الإمام الأكبر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي بتفعيل هذه البروتوكولات من خلال خطوة استراتيجية غير مسبوقة، تمثلت في افتتاح معهد أزهري في مدينة أربيل. هذا المعهد، الذي استمر في أداء رسالته وتخريج الطلاب لأكثر من اثني عشر عاماً، أصبح البوابة الرئيسية التي يعبر منها الطلبة الكورد للالتحاق بمختلف كليات جامعة الأزهر في القاهرة. ومع تولي فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب مشيخة الأزهر، تضاعف هذا الدعم؛ حيث فُتحت الأبواب على مصراعيها أمام علماء كوردستان لتلقي المنهج الأزهري الوسطي داخل الجامعة وفي مراحل الدراسات العليا. هؤلاء الخريجون عادوا إلى إقليم كوردستان محملين بعلوم الشريعة السمحة، ليصبحوا اليوم سفراء للأزهر الشريف، وقادة للفكر الديني المعتدل، وحراساً للهوية الإسلامية في مجتمعاتهم.

ولعل التحدي الأكبر الذي أثبت صلابة هذه العلاقات وعمق أهميتها الاستراتيجية، تجلى بوضوح في العقد الماضي مع صعود تنظيم "داعش" الإرهابي، والذي شكل تهديداً وجودياً وحضارياً لإقليم كوردستان العراق والمنطقة بأسرها. في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ المنطقة، برزت الأهمية القصوى للتعاون الإفتائي والفكري بين الإقليم ودار الإفتاء المصرية. 

حرب ضد الإرهاب 

في الأول من يناير عام 2017، وفي ذروة المعركة العسكرية والفكرية ضد الإرهاب، استقبل الأستاذ الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية في ذلك الوقت، وفداً رفيع المستوى برئاسة الدكتور عبد الله الشيخ سعيد الكوردي، رئيس اتحاد علماء الدين الإسلامي بإقليم كوردستان. وخلال هذا اللقاء التاريخي، كشف الجانب الكوردي عن استراتيجية ذكية وفعالة اعتمدها الاتحاد لمجابهة التطرف؛ حيث كانوا يقومون بمتابعة ورصد كل التقارير والدراسات الصادرة عن "مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة" التابع لدار الإفتاء المصرية، والعمل على ترجمتها فوراً إلى اللغة الكردية.

كانت هذه الخطوة بمثابة ضربة استباقية فكرية وحائط صد منيع، هدفت إلى تنوير عقول الشباب الكوردي وتفكيك الحجج الواهية والشبهات التي كان يروجها التنظيم لاستقطاب المقاتلين. وقد أكد رئيس الاتحاد الكوردستاني حينها أن دار الإفتاء المصرية بمرصدها التكفيري وتاريخها العريق في الإفتاء، كانت السند الشرعي والمرجعية الأولى التي اعتمدوا عليها في النوازل والمستجدات لدحر فتاوى "داعش"، محذرين من أن المواجهة العسكرية وحدها لا تكفي لاقتلاع جذور الإرهاب، بل يجب أن توازيها مواجهة فكرية صارمة تستند إلى فقه وسطي يتقن التعامل مع المستجدات.

المعركة الفكرية ونهاية داعش 

وبعد انحسار التهديد العسكري المباشر لتنظيم داعش، أدركت المؤسسات الدينية في مصر وكوردستان أن المعركة الفكرية لم تنتهِ، وأن مرحلة التعافي تتطلب بناء حصانة فكرية مستدامة تحول دون عودة هذه الأفكار تحت مسميات جديدة.

وفي هذا السياق، شهد عام 2019 نشاطاً مكثفاً لترسيخ هذا التعاون؛ حيث استأنفت "المنظمة العالمية لخريجي الأزهر" نشاطها التدريبي بقوة، ونظمت دورة علمية وتدريبية مكثفة استمرت لشهر كامل، استضافت خلالها أربعة وعشرين إماماً وخطيباً من كوردستان العراق. التقى هؤلاء الدارسون بكبار علماء الأزهر الشريف، وتلقوا محاضرات معمقة حول الأسس التي بُنيت عليها شريعة الإسلام، وتدربوا على كيفية تفنيد أفكار المتطرفين والتعامل مع مستجدات العصر بعقل سليم مستنير. وفي تصريحات وثقت هذه المرحلة المهمة، أشاد الدكتور عبد الله سعيد الويسي، رئيس اتحاد علماء كوردستان، بالتجربة المصرية الرائدة، مؤكداً أن تنظيم "داعش" ليس سوى وريث لجماعات متطرفة سابقة كالقاعدة ، مما يعني أن خطر ظهور جماعات بأسماء جديدة يظل وارداً بقوة إذا لم يتم استئصال الفكر التكفيري من جذوره. 

وأوضح أن الفهم الخاطئ للمفاهيم الإسلامية هو ما يصنع هذه التنظيمات التي تستغل الدين لأهداف فاسدة، مشدداً على أن علماء كردستان باتوا يشكلون سداً منيعاً أمام استقطاب الشباب بفضل الجهد الكبير والاستفادة المستمرة من الفتاوى الأزهرية.

واستمراراً لهذا النهج الراسخ، جاء اللقاء الذي عُقد في السادس عشر من مارس عام 2021، ليؤكد على وحدة الهدف والمصير. فقد استقبل مفتي الجمهورية، الدكتور بيشتيوان صادق عبد الله، وزير الأوقاف والشؤون الدينية بإقليم كوردستان العراق، لبحث تعزيز التعاون الديني المشترك. شدد اللقاء على ضرورة تضافر جهود المؤسسات الدينية العالمية لمواجهة التطرف، حيث أشاد الوزير الكوردي بالمجهودات الجبارة لدار الإفتاء المصرية، مثمناً الإصدارات والموسوعات الرائدة التي أصدرتها الدار للرد على الأفكار المتطرفة، مثل "دليل المسلمين إلى تفنيد آراء المتطرفين" وكتاب "التأسلم السياسي"، ومؤكداً حرص الإقليم على الاستفادة من هذه الخبرات المتراكمة. وقد توج هذا اللقاء بتوجيه دعوة رسمية لعلماء مصر لزيارة الإقليم للاستفادة من التجربة المصرية عن قرب، وتقديم درع الوزارة تقديراً لجهود دار الإفتاء في تطوير العمل الإفتائي.

ولم تتوقف عجلة التطور في العلاقات المؤسسية عند حدود الأساليب التقليدية، بل واكبت بشجاعة المتغيرات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم. ففي الثالث والعشرين من يونيو عام 2026، تجسدت هذه النقلة النوعية في اللقاء الذي جمع فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، بمعالي الدكتور بشتيوان صادق عبد الله، وزير الأوقاف بإقليم كوردستان العراق، والوفد المرافق له. شهد هذا اللقاء استعراضاً شاملاً لأحدث أدوات الإفتاء العصرية؛ حيث سلط فضيلة المفتي الضوء على التطور الرقمي الهائل الذي تشهده الدار عبر تطبيقاتها الإلكترونية مثل تطبيق "Fatwa Pro"، والجهود الرائدة لمركز التعليم عن بُعد، ومنصة "هداية" الإلكترونية التي تمثل نافذة رقمية عالمية لنشر الفكر الوسطي. ولعل الإنجاز الأبرز الذي تم تناوله هو توجه الدار نحو استثمار الذكاء الاصطناعي بشكل مؤسسي، حيث تعكف الدار على بناء وتغذية أول نموذج لمحرك بحث إفتائي مدعوم بالذكاء الاصطناعي ليكون مرجعية رقمية آمنة للمسلمين حول العالم، مبدياً الاستعداد التام لتقديم كافة أشكال الدعم والتدريب لمفتي إقليم كوردستان ليكونوا جزءاً من هذه النهضة التكنولوجية الإفتائية.

مظلة إسلامية 

وتزامناً مع هذا اللقاء رفيع المستوى، واصل مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية أداء رسالته العملية السامية، حيث عُقد في نفس الفترة امتحان القبول للالتحاق بالبرنامج التدريبي الدائم للوافدين في دفعته العشرين لعام 2026. شهد هذا البرنامج إقبالاً كبيراً، حيث تقدم للالتحاق به مائة وثلاثون طالباً يمثلون سبعاً وعشرين دولة، من ضمنهم أبناء إقليم كوردستان. يمتد هذا البرنامج الطموح لعامين دراسيين كاملين، يجمع فيها الطالب بين التأصيل الشرعي العميق واكتساب مهارات الإفتاء العملية للتعامل مع النوازل وفق منهج علمي رصين، ليعود هؤلاء الدارسون إلى بلدانهم ككوادر علمية مؤهلة قادرة على تفكيك الأفكار الشاذة وبناء مجتمعات آمنة فكرياً وروحياً.

إن القراءة المتأنية والشاملة في سجل العلاقات بين مصر وإقليم كوردستان العراق، منذ تأسيس اتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان عام 1970 وحتى يومنا هذا، تكشف لنا حقيقة ساطعة لا تقبل الشك؛ وهي أن المؤسسات الدينية المصرية، ممثلة في الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، ليست مجرد جهات محلية، بل هي قوى إشعاع حضاري ومظلة إسلامية عالمية تتجاوز الجغرافيا لترسم معالم الأمن الفكري في المنطقة بأسرها. فقد أثبتت هذه الشراكة الممتدة لنصف قرن أن الروابط المبنية على سماحة الأديان، واحترام العقول، والفهم الصحيح للتراث، هي الروابط الأبقى والأقدر على مواجهة أعاصير التطرف وصناعة مستقبل آمن لأجيالنا القادمة، لتظل هذه العلاقة نموذجاً يُحتذى به في الدبلوماسية الدينية والقوة الناعمة التي تبني الأوطان وتحفظ هويتها، وتضع التعاون مع اتحاد علماء المسلمين بكوردستان في أولوية إهتمامها كمؤسسات تدعم الإنسانية والعمل من أجل عدالة قضايا الشعوب .