رسالة إلى غراهام الذي رحل: حين عبرت كلمات منفيٍّ كورديٍّ محيطاً لتصل مكتب سيناتور
مقدمة: كيف تصل صرخةُ منفيٍّ إلى واشنطن؟
لم أكن أتخيل، وأنا أكتب "سيرة المغترب" في عزلتي بضواحي سيدني، أن حروفاً نُحِتَت من ندوب جسدي وذاكرة قريةٍ اسمها شقلاوة، ستعبر يوماً محيطاً بأكمله لتستقر بين يدي سيناتورٍ أمريكي. لكن هذا ما حدث بالضبط.
حين نُشر جزءٌ من سيرتي بالإنجليزية، لم أكن أكتب لأصل إلى أحد، بل لأنجو من النسيان الذي يهدد كل منفيٍّ: أن يموت مرتين، مرةً حين يغادر وطنه، ومرةً حين يُمحى اسمه من الذاكرة. الكتابة، كما عرفتها في سنوات القهر، لم تكن ترفاً أدبياً، بل كانت آخر خيطٍ يربطني بكوردستان، طريقةً وحيدة لأقول للعالم: هذا الجرح لا يزال ينبض.
اللقاء: حين تصفّح أمريكي جرح كورديّ
عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وصلت كلماتي إلى ليندسي غراهام. لم يكن مجرد قارئ عابر؛ فقد أبدى، منذ أول تواصل، اهتماماً حقيقياً بأجزاء من سيرتي، وبما كتبته عن القضية الكوردية عبر عقودٍ من الصحافة والمنفى. لم يكن ذلك استعراضاً سياسياً، بل بدا وكأن رجلاً في قلب واشنطن، مثقلاً بملفات الشرق الأوسط المعقدة، وجد في شهادة منفيٍّ بسيط مصدراً يوازن به ما يصله من تقارير رسمية جافة.
تلت ذلك اتصالاتٌ متقطعة، لا تحكمها بروتوكولات ولا مواعيد، بل ضرورة اللحظة: كان يستفسر أحياناً عن حقيقة معلوماتٍ وصلته حول القضية الكوردية في إيران وسوريا، حين يشك في أن ما بين يديه قد شُوِّه أو اجتُزئ عن سياقه.
لم أكن مصدراً استخباراتياً ولا محللاً سياسياً؛ كنتُ فقط كوردياً عاش الجرح بجسده قبل أن يكتبه بقلمه، وهذا وحده كان كافياً، على ما يبدو، ليمنح شهادتي وزناً لم أكن أتوقعه.
الجسور التي لا تُبنى بالبروتوكولات
يقول بول ريكور إن الذاكرة هي آخر ملجأ للهوية حين يُنهب الوطن. وأنا أضيف: أحياناً، تكون الذاكرة أيضاً جسراً يعبر به الغريب إلى قلب من لا يعرفه.
لم يكن غراهام كوردياً، ولم يزر شقلاوة، ولم يذق شايَ أمي المحمّص على نار الحطب. لكنه، من مكتبه في الكابيتول، اختار أن يصغي، لا أن يكتفي بالتقارير الرسمية. هذا وحده استثناءٌ نادر في عالمٍ تُدار فيه مصائر الشعوب عادةً بالأرقام لا بالأسماء، بالمصالح لا بالذاكرة.
كنتُ، وما زلتُ، أؤمن أن السياسة حين تلتقي بالأدب، حين يقرأ صانع القرار شهادة الضحية لا ملخص المحلل، تتغير طبيعة القرار نفسه، ولو قليلاً. ربما كان هذا هو الأثر الوحيد المتواضع الذي تركته كلماتي: أنها ذكّرت رجلاً يصنع سياسات بعيدة، بأن خلف كل بندٍ في مشروع قانون، يوجد جسدٌ بشريٌّ يحمل ندوبه كخريطة.
حين يُختبر الوفاء بمعيار مختلف
لم أكتب عن غراهام يوماً بصفته "منقذاً"؛ فقد علّمتني تجربتي مع الساسة الكورد أنفسهم أن أتوجس من هذه الكلمة. لكنني أكتب عنه اليوم بصفته استثناءً: سياسيٌّ أمريكيٌّ اختار، في زمنٍ تُختزل فيه الشعوب إلى عناوين عابرة في نشرات الأخبار، أن يتحقق بنفسه، أن يسأل، أن يشكّ في الرواية الرسمية حين تتعارض مع شهادة إنسانٍ عاش التجربة.
هذا لا يعني أن مواقفه كانت فوق النقد، ولا أن كل قرار في واشنطن تجاه الكورد كان صائباً. لكنه يعني أن هناك، في ذلك المكتب البعيد، أذناً كانت تصغي حين كان الأجدر بها أن تنشغل بملفاتٍ "أهم".
الرحيل: حين يموت الجسر
في 11 تموز 2026، توقف قلب ذلك الرجل فجأة. ومعه، توقف خطٌّ من التواصل لم يكن مؤسسةً ولا معاهدة، بل كان، ببساطة، إنساناً يقرأ لإنسانٍ آخر عبر محيط.
هنا يكمن الدرس القاسي الذي علّمتنيه سنوات المنفى: أن كل جسرٍ يُبنى على وفاء فردٍ واحد هو جسرٌ مهدَّد بالانهيار في اللحظة التي يتوقف فيها قلب ذلك الفرد. لم يكن غراهام مؤسسة، كان رجلاً، له قلبٌ، مثل قلبي، مثل قلب كل من عرفتهم في زنازين أربيل وجبال سفين ومقابر الزيتونة، توقف فجأة كما تتوقف كل القلوب في النهاية.
كما كتبتُ يوماً في سيرتي: "كتبتُ كي لا أموت، وبقيتُ أموت كي أكتب". واليوم أضيف: كتبَ هو ليصغي، وأصغى لي كي لا يموت صوتي في الزحام. والآن، وقد رحل، يبقى السؤال معلقاً: من سيصغي للمنفيّ التالي؟
خاتمة: الكتابة تبقى حين يرحل القارئ
لن أدّعي أن علاقتي بغراهام غيّرت مسار القضية الكوردية؛ فالتاريخ أكبر من صداقةٍ عابرة للمحيطات. لكنها علّمتني درساً شخصياً: أن الكتابة، مهما بدت عاجزة أمام جبروت الجغرافيا السياسية، قد تصل أحياناً إلى مكانٍ لم نكن نحلم بالوصول إليه.
غراهام قرأني، وسألني، وشكّ حين وجب أن يشك. وأنا، الكورديُّ الذي حمل وطنه في ندوب جسده وأنقذ نفسه من الغرق في النسيان بحبرٍ لا ينضب، أكتب له اليوم هذه السطور، ليس رثاءً لسياسيٍّ رحل، بل شهادةً على أن الكلمة، حتى حين تُكتب في أقصى المنفى، قد تجد يوماً من يصغي إليها في أقصى السلطة.
فهل تسمعني الآن، يا غراهام، من هناك، حيث لا فرق بين الأمريكي والكوردي، بين السيناتور والمنفيّ، سوى أن كليهما كان، في لحظةٍ ما، مجرد إنسانٍ يبحث عن معنى؟