العملية السياسية بصفتها و شخوصها
هذا تدوين للتاريخ.
ولان التاريخ يدون من ضمن ما يدون تبدلات السلوك البشري و نتائج التبدلات، فلا غرابة ان تنحسر التقييمات العلمية احيانا امام زحف تقييمات العاطفة سلبا او ايجابا.
لقد اسفر الصراع البشري عن تحريم اسماء ارتبط تاريخها بما يمقته طرف، كما حُرمت الوان بعينها لاعتبارات استخدامها من طرفٍ خصم، وهذا الامر صار اشبه بما يؤخذ فيه في نقد العرض المسرحي اذ لو استخدم مُخرج اداة لتوظيفها في عرض، سيصعب على غيره استخدامها الا ان وظفها بما يمحو استخدامها من الذي سبقه.
هذا هو الانسان و هذا تفكيره حتى بعد مئات الوف السنين من العيش و ما يطلق عليه بالتحضر.
كانت العملية السياسية في العراق قد مرت بمرحلتين رئيسيتين، قبل ٢٠٠٣ و بعد ٢٠٠٣.
صفة العملية السياسية قبل ٢٠٠٣ ليست هي بعد هذا التاريخ، و شخوصها في المرحلتين شهد اضافة اسماء و وجوه و اختفاء اخرى.
كانت السياسة في العراق قديمة الولادة، لكنها انجبت لاحقا- وهذا منطقي حسب منطق وضع العراق- ابناء متبايني التوجهات و ان اشتركوا طوعا او اضطرارا في بعض المواقف، لكنهم يحملون جينات فكرية مختلفة، وقليل منهم يحمل جينة واستعداد عمل لمنجز بحجم العراقيين.
قد يكون عهد الانظمة السابقة ساترا حال دون انكشاف حركات سياسية لم تُجرّب في السلطة، وتلك كانت فترة لم يفطن للاستفادة منها كثيرون، لم يستفيدوا في تعميق الفكر و التجربة و اعداد مشروع واقعي مقبول شعبيا، ولذا فبمجرد سنوح فرصة للحكم او جزء من قرار حكم فقد صدر منهم ما صدم الناس، ولا غرابة و لا مانع ايضا يحول بين الناس و بين مقارنتهم بين نظامين..
أُقِرُ، غيري و انا، ان سكوتنا احيانا كان و لم يزل حفاظا على العملية من الانهيار، لم يفهمه الاخرون المعنيون بإتخاذ القرار و الجمهور، انه سكوت ملزم، اذ ان كثيرا من اصحاب القرار اهتزوا امام اغراء السلطة، فما عادوا يحبون استماع نصيحة.
نحن في العراق، ولأننا فيه ولمن يعرف طبيعة اغلب العراقيين، فهو سيتفهم كلامي، لكنه لن يجد حتى لو انتقد او عارض او احتجب، لن يجد اخيرا الا السكوت تعبيرا عن رفض هو بمثابة سلاح يوصل فيه موقفه من اصرار الاخرين على الخطأ.
لم يصل الوعي و لا مراجعة الذات الى مستوى يفصل بين العلاقات الشخصية و بين ان يكون شخص او مجموعة يحملون صفة رسمية في الادارة فيخطئون.
فإن اردت نصحهم بحكمة و لين، اعتقدوا انك لهدوئك فالقضية ليست حيوية، وان واجهتهم بغير لين، خاصموك و اتخذوا من ادوات الحكم وسائل للحرب.
لم تكن مثل هذه الامور قد وقعت بحجم ما وقع بعد ٢٠٠٣ ذلك ان نوعية سياسيي تلك الفترة و مهما كان في قسم منهم من توجهات فيها شيء من شوائب، الا ان موضوعية و ذاتية قضايا العراق في جانبه المعارض كانت انقى بكثير من معارضي ما بعد ٢٠٠٣ و من شخصيات بعضها مخضرمة فكانت قبل ٢٠٠٣ افضل هي بذاتها و افضل بتأثيرها من ذاتها و تأثيرها بعد ٢٠٠٣.
للانصاف فإن طبيعة الموضوع كونه مرتبط بالحكم فذلك سيعني من ضمن ما يعني ان يلتحق بالمصنع الحزبي من يريد هوية تغطية لما فُهِم انه بوابة لفرص العمل، وهذا الامر كان له اكبر الضرر و سيظهر ضرره الاكبر لاحقا حتى وان انتهى اسلوب التعبئة ذاك.
من هذا الباب و باب الفرض للكلام بالمكونات، دخلت للعملية السياسية اسماء و توجهات اشتغلت على اخطاء طبقة متحكمة لم ترد او لم تفهم معنى ان الحكم حنكة، فصنعت ظروفا استفاد منها غيرها ليكونوا معارضين ثم خصوما و اعداء و صاروا اندادا، و اغلب الجدد لا يريدون حلولا بقدر تحججهم بإخطاء السابقين.
اريد ان اصل لقمة الفكرة: لقد امتدت و تقطعت و التحمت هذه العملية التي يبدو ظاهريا ان متحكمة بقوة بالقرار، لكن الادق ان اطرافا اخرى هي الاقوى و هي التي احدثت زحزحة لم يتحسس حدوثها كثيرون، فقد تسارعت وتيرة الاخطاء حتى صار يُقدّم لمناصب كبرى من لم يكونوا جزء من معارضة حقيقية قبل ٢٠٠٣، فإن حدث و تم تقديم ذلك فبمراجعة للتاريخ الشخصي، سيتم كشف ان صحة صدور الكنية المعارضة فيها خلل، خلل من المانح و في الوثيقة خلل، خلل في الممنوح.
فإن لم يكن العمل المعارض من اساسات المكانة بعد الوصول للسلطة، فذلك شرخ في شرعية اغلب الحركات التي سنت ما يكافيء المعارض و يجرّم من له ارتباط بالنظام السابق.
غير هذا فأن الفضاء و الارضية قد ضُيقا على المستقل او الناشيء السياسي الصغير.
وغير هذا و ذاك فإن انماء معارضة انشطارية من عين الحركة السياسية اتراه يواجه قواعده بتاريخه الممتد من قبل الانشقاق ام يؤوسس لشرعيته بعد الانشقاق، و هل هو متواجد لمعارضه حزبه الام ام يعارض كل المنظومة؟
وقبل كل هذا و بعده: اين المسؤولية الاخلاقية عن الاداء، فإن كان لنا ان نجلس بعقل سياسي و قانوني ذكي لنراجع الاداء، اترانا نتمكن من اسعاف الواقع الذي تردى كثيرا ليقر كل طرف بخطئه و خطيئته، ام ان العزة بالاثم ستكون مانعة من ذلك بحجة حجوم اخطاء الاخرين؟
للحديث تتمة.