أحمد الحمداني
كاتب
إقليم كوردستان بين عواصف الإقليم ومخاض الشراكة الاتحادية: قراءة في استراتيجيات الحياد والإصلاح
مقدمة: معادلة الصعب والدقيق
تُجسد المقابلة الشاملة التي أجراها رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، خريطة طريق متكاملة لفهم واحدة من أكثر المناطق تعقيداً واستراتيجية في الشرق الأوسط. فبينما تتلاطم أمواج الصراعات الإقليمية على الحدود العراقية، يجد إقليم كوردستان نفسه أمام معادلة بالغة الدقة: كيف يحافظ على استقراه وأمنه الداخلي في ظل هجمات واعتداءات متكررة، وفي نفس الوقت، كيف يناضل سياسياً ودستورياً لتثبيت دعائم الشراكة الحقيقية مع الحكومة الاتحادية في بغداد؟ تقدم المقابلة رؤية عميقة تتجاوز ردود الفعل السريعة نحو مقاربة تحليلية تستند إلى المصالح الوطنية العليا، والالتزام الدستوري، والرؤية التنموية للمستقبل.
الحياد الاستراتيجي ورفض الانخراط الإقليمي
على الصعيد الخارجي، يتبنى إقليم كوردستان استراتيجية حاسمة ترتكز على الحياد التام ورفض الزج به في أتون الصراعات الإقليمية والدولية المتصاعدة، وعلى رأسها التوتر الأمريكي-الإيراني. لقد كان بارزاني واضحاً في التأكيد على أن الإقليم يرفض تماماً أن يكون ساحة تصفية حسابات أو طرفاً في حروب الآخرين، مشدداً على غياب أي ضغوط حقيقية تجبره على الانخراط في معادلات عسكرية لا تخدم مصلحته الوطنية.
هذا التوجه نحو السلام والحلول السلمية يواجه، مع الأسف، تحديات أمنية هائلة تجلت في تعرض الإقليم لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة. وهنا تفند القيادة الكوردية الذرائع الواهية التي تسوقها الفصائل والمجاميع المهاجمة، سواء بتعليق الأمر على وجود قوات التحالف أو استغلال ورقة المعارضة الإيرانية الكوردية. فالتأكيد على خلو قاعدة حرير من القوات الأمريكية، والتذكير بأن وجود اللاجئين الكورد الإيرانيين يعود لما قبل عام 1991 مع الالتزام التام بعدم استخدام الأراضي الكوردية لتهديد الجيران، يعكسان خطاباً مسؤولاً يوازن بين السيادة الوطنية واحترام حسن الجوار. كما أن التأكيد القاطع على عدم وجود علاقات مستقلة مع إسرائيل، والالتزام المطلق بالسياسة الخارجية الرسمية للحكومة الاتحادية، يغلق الباب أمام أي محاولات للتشكيك في الهوية الوطنية والدستورية للإقليم.
أزمة الشراكة الاتحادية والملفات الدستورية العالقة
أما على الصعيد الداخلي والعلاقة مع بغداد، فتسلط المقابلة الضوء على الجرح الأعمق في بنية النظام السياسي العراقي الحالي: ألا وهو غياب الإيمان الحقيقي بمفهوم الفيدرالية والنظام الاتحادي. يشير الطرح الكوردي بوضوح إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الخلافات السياسية اليومية، بل في الفشل المنهجي في تطبيق الدستور العراقي لعام 2005، والإحجام عن تحويل مواده الأساسية إلى قوانين ناظمة. هذا الفراغ التشريعي أتاح تفسيرات أحادية ومجتزأة لنصوص الدستور، مما فاقم الأزمات المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها عبر المادة 140، وقضايا النفط والغاز، والضرائب والتجارة.
وفي ملف النفط والغاز تحديداً، يقدم الإقليم مقاربة عملية وبناءة تعكس رغبته الصادقة في مساعدة بغداد على تخفيف الأعباء الاقتصادية العامة، رغم تواضع الطاقة الإنتاجية الحالية للإقليم (التي تتراوح بين 300 إلى 400 ألف برميل) والتي لا تغطي الخسائر الكبيرة للعراق. غير أن تحقيق أي تقدم في هذا الملف يتطلب استثمارات ضخمة وتوفير ضمانات أمنية وحماية حقيقية للبنية التحتية النفطية ضد الهجمات والتخريب، وهي مسؤولية مشتركة تتطلب تعاوناً وثيقاً بين الجانبين.
مسارات الإصلاح الداخلي والتنمية الاقتصادية
في موازاة التحديات السياسية والأمنية، تخوض حكومة إقليم كوردستان سباقاً مع الزمن لتنفيذ أجندة إصلاحية واسعة النطاق. تركز هذه الأجندة على مكافحة الفساد، وتنويع مصادر الاقتصاد الوطني لتقليل الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية، فضلاً عن إطلاق ثورة رقمنة الخدمات الحكومية القائمة على تحليل البيانات واتخاذ القرارات السليمة.
وفي ظل توقف التعيينات الحكومية الجديدة منذ عام 2013، وجه الإقليم بوصلته نحو تمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمارات المحلية والدولية، مع الحفاظ على شراكات اقتصادية استراتيجية كبرى، وفي مقدمتها تركيا. هذه الخطوات التنموية، التي انطلقت مبكراً منذ عام 1991 مقارنة ببغداد بعد عام 2003، تمنح الإقليم مرونة أكبر في مواجهة الأزمات، وتلبي طموحات جيل شاب متعلم، واعي، ومتطلع للمعايير العالمية المتقدمة.
آفاق القضية الكردية في الإقليم وجوارها
لا ينفصل استقرار الإقليم عن قضايا الكورد في دول الجوار، حيث يتبنى إقليم كوردستان موقفاً مبدئياً يدعم نيل الحقوق المشروعة بالطرق السلمية والحوار البناء. وقد عبر بارزاني عن تفاؤله بالتحولات الإيجابية والتحولات الديمقراطية في تركيا وسوريا، داعياً في الوقت ذاته إلى إنهاء التميز وضمان المواطنة المتكاملة لأكراد إيران. هذا البعد القومي الإنساني يثبت أن كوردستان العراق يتحول تدريجياً إلى عمق استراتيجي وركيزة اعتدال إقليمية قادرة على تقريب وجهات النظر ودعم الاستقرار.
فيما تؤكد المقابلة أن إقليم كوردستان، بقيادته الحالية، يثبت قدرة عالية على المناورة السياسية بحكمة وثبات
إن الحفاظ على الاستقرار وحماية التجربة الديمقراطية والتنموية في أربيل لا يمكن أن يهدأا بشكل كامل إلا بوجود شريك جاد ومسؤول في بغداد يؤمن بالدستور والشراكة الحقيقية. إنها دعوة صريحة لتجاوز الخلافات العبثية والتركيز على بناء مستقبل مشترك يحترم سيادة القانون ويضمن الأمن والازدهار لجميع العراقيين.