ملف مشكلة السلاح

ملف مشكلة السلاح
ملف مشكلة السلاح

يشكل ملف مشكلة السلاح خارج إطار الدولة في العراق أحد أعقد التحديات التي تواجه مسار بناء الدولة وتثبيت أركان الاستقرار السياسي والأمني منذ عام 2003 إذ لم تكن هذه الظاهرة وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة لترسبات تاريخية وأزمات متراكمة مرت بها البلاد، بدءاً من حل المؤسسة العسكرية والأمنية في أعقاب الغزو الأمريكي، مروراً بدوامة العنف الطائفي، وصولاً إلى اجتياح تنظيم داعش لمدن واسعة وما تلاه من استنفار شعبي ورسمي لمواجهة هذا الخطر الوجودي،إذ أسهمت هذه المحطات المتعاقبة في إيجاد بيئة خصبة لانتشار السلاح وتعدد مراكز القوة والأمر الواقع، مما جعل امتلاك السلاح لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل امتد إلى الفصائل المسلحة والجهات العشائرية والجماعات المنظمة، لتتحول هذه المشكلة من مجرد تحدٍ أمني إلى معضلة سياسية وبنيوية تمس جوهر مفهوم السيادة.

إن خطورة انفلات السلاح تكمن في تأثيره المباشر على العملية السياسية والمسار الديمقراطي في البلاد حين يمتلك الفاعل السياسي أو الاجتماعي جناحاً مسلحاً أو نفوذاً ميدانياً يتجاوز سلطة القانون، فإن قواعد اللعبة الديمقراطية تتعرض للتشويه والاضطراب ويصبح السلاح في كثير من الأحيان أداة للضغط والترهيب وحسم الخلافات السياسية بعيداً عن أروقة البرلمان والمؤسسات الدستورية،مما يضعف ثقة المواطن بالصندوق الانتخابي ويؤدي إلى تراجع المشاركة الشعبيّة في الاستحقاقات الوطنية. كما أن وجود السلاح غير الخاضع لسيطرة الدولة ينعكس سلباً على بيئة الاستثمار والتنمية، حيث يتردد المال المحلي والأجنبي في الدخول إلى سوق تغيب فيه ضمانات سيادة القانون وتسيطر فيه منطق القوة على العقود والمشاريع الاقتصادية.

وعلى الصعيد الاجتماعي والعشائري، يتداخل ملف السلاح مع التكوين المجتمعي العراقي بطريقة تزيد من تعقيد المشهد، وتتصاعد من وقت لآخر النزاعات العشائرية المسلحة، خاصة في المحافظات الجنوبية والوسطى والغربية ،مستخدمة أسلحة متوسطة وحتى ثقيلة، مما يربك الأمن المحلي ويستنزف جهود الأجهزة الأمنية في صراعات جانبيّة،وإن هذا النفوذ العشائري المسلح يأتي غالباً كملاذ أخير للمواطنين في ظل ضعف ثقتهم أحياناً بمهنية المؤسسات القضائية أو قدرتها على إعادة الحقوق، وهو ما يعزز دور السلطة التقليدية على حساب سلطة القانون والدولة المدنية الحديثة.

أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن ملف السلاح في العراق لا يمكن فصله عن التدافعات والصراعات التي تشهدها المنطقة، فلقد تحول العراق في مراحل متعددة إلى ساحة لتصفية الحسابات ورسائل النفوذ بين قوى إقليمية ودولية متصارعة، حيث يجد السلاح الفصائلي سنداً ودعماً خارجيين في بعض الأحيان، مما يجعل قرار حصر السلاح مرتبطاً بتوازنات وتفاهمات تتجاوز حدود الحدود الوطنية،وهذا التداخل بين الداخل والخارج يجعل التعامل مع الملف يتطلب حكمة سياسية فائقة ودبلوماسية هادئة تسعى لرفع يد التدخلات الخارجية وحماية القرار الوطني المستقل.

تدرك الحكومات المتعاقبة أن معالجة هذا الملف ليست بالمهمة السهلة، ولا يمكن حسمها عبر الخيارات العسكرية المباشرة فقط، لما قد يسببه ذلك من صدامات داخلية واضطرابات أمنية واسعة، إذ إن الحل الشامل ينبغي أن يستند إلى رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة تبدأ بإعادة بناء واستكمال جاهزية المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية من جيش وشرطة وأجهزة استخبارات، وتعزيز بنيتها التحتية وتدريبها وتجهيزها لتكون القوة الوحيدة القادرة على حماية البلاد وتطبيق القانون دون تمييز أو محاباة.

بالتوازي مع ذلك، يحتاج العراق إلى تدشين حوار وطني شجاع وصريح بين جميع القوى السياسية والفاعلين الاجتماعيين للوصول إلى ميثاق شرف ينظم العلاقة بين السياسة والسلاح، ويضع جدولاً زمنياً وآلية واضحة لإدماج السلاح بكافة أشكاله ضمن هيكلية الدولة، وتفكيك الشبكات المسلحة غير القانونية، ما يتطلب تفعيل الإرادة السياسية الصادقة للقيادات والمكونات المختلفة، وتقديم المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية أو الفئوية الضيقة.

إن حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد شعار سياسي أو مطلب انتخابي يتكرر عند كل أزمة، بل هو شرط وجودي لقيام دولة المواطنة والاستقرار الدائم فلا يمكن التأسيس لمستقبل واعد للجيل الجديد أو بناء اقتصاد قوي ومستدام دون العودة إلى المبدأ الأساسي المتفق عليه عالمياً، وهو أن الدولة هي الكيان الوحيد الذي يمتلك الاحتكار الشرعي لاستخدام القوة،وإن النجاح في معالجة هذا الملف السيادي هو الخيار الوحيد لتجنب الانزلاق نحو الفوضى، والسبيل الأمثل لاستعادة العراق لمكانته الطبيعية كدولة مستقرة ذات سيادة كاملة على أراضيها وقرارها.