عندما تصمت صناديق الاقتراع: دروس في الديمقراطية من برلمان كوردستان...!

عندما تصمت صناديق الاقتراع: دروس في الديمقراطية من برلمان كوردستان...!
عندما تصمت صناديق الاقتراع: دروس في الديمقراطية من برلمان كوردستان...!

في الرابع من نوفمبر 2026، وبعد 702 يومًا من التعطيل والفراغ القانوني، عاد برلمان كوردستان إلى الحياة. لم يكن هذا الحدث مجرد جلسة برلمانية عادية، بل كان انتصارًا لإرادة الشعب الكوردي ومؤسساته الدستورية على حسابات المناكفة السياسية. حضر 52 نائبًا، متجاوزين النصاب القانوني المحدد بـ51 نائبًا، وانتخبوا هيئة رئاسة جديدة. لكن بدلًا من أن يكون هذا اليوم يومًا للاحتفال بالديمقراطية، هرع من خسروا الأصوات إلى رفض النتائج ووصف الجلسة بـ«غير القانونية»،.

الديمقراطية ليست حق النقض... بل حكم الأغلبية

جوهر الدرس الأول الذي يجب أن يستوعبه الجميع هو أن الديمقراطية تعني حكم الأغلبية مع احترام حقوق الأقلية، وليس خضوع الأغلبية لإرادة الأقلية. وقد عبّر أبراهام لينكولن عن هذا المبدأ بدقة حين قال إنه «لا يمكن أن يكون حكم الأقلية، كترتيب دائم، مقبولًا على الإطلاق؛ وبالتالي، فإن رفض مبدأ الأغلبية لا يترك سوى الفوضى أو الاستبداد».

الدليل الدولي: الأصوات القليلة تحسم، والخاسر يقبل النتيجة

في الولايات المتحدة، التي تُعد نموذجًا مرجعيًا للديمقراطية الرئاسية، لا يُشترط لشرعية أي قرار برلماني أو رئاسي أن يحظى بتوافق كامل. والأمثلة على ذلك كثيرة وموثقة:
· انتخابات الرئاسة عام 2000: حُسمت رئاسة الولايات المتحدة بأكملها بفارق 537 صوتًا فقط في ولاية فلوريدا. ورغم أن الخاسر أل غور حصل على أصوات شعبية أكثر على المستوى الوطني، فإنه قبل النتيجة بعد قرار المحكمة العليا، لأن القاعدة هي احترام المؤسسة والقانون.

· انتخابات مجلس النواب عام 2024: سيطر الجمهوريون على المجلس بفارق إجمالي بلغ حوالي 3,200 صوت فقط في المقاعد الأكثر تنافسية. وبعض المقاعد الفردية حُسمت بفوارق مثل 187 صوتًا و546 صوتًا.

· أمثلة تاريخية أشد ضيقًا: مقعد في مجلس النواب عام 1984 حُسم بفارق 4 أصوات فقط، ومقعد آخر عام 2020 حُسم بفارق 6 أصوات.

في كل هذه الحالات، خسر الطرف الآخر وقبل النتيجة، لأن القاعدة الدستورية واضحة: من يحصل على الأصوات يفوز، ومن يخسر يذهب إلى المعارضة. لم يقل الخاسر إن الفارق «قليل» أو إن الجلسة «غير شرعية»؛ بل احتكم إلى القانون والمؤسسات.

وفي أستراليا، التي أعيش وأكتب فيها، ثلاثة نماذج لافتة تؤكد المبدأ ذاته بل وتتجاوزه: في الانتخابات الفيدرالية عام 2010، فاز الائتلاف بأصوات أكثر من حزب العمال، لكن المستقلين منحوا ثقتهم لجوليا غيلارد فشكّلت الحكومة. وفي فيكتوريا عام 1999، فاز الائتلاف بالمقاعد والأصوات معًا، لكن المستقلين دعموا العمال — فقبل الفائز النتيجة وانتقل إلى المعارضة. وفي تسمانيا عام 2010 تكررت القصة ذاتها. في الحالات الثلاث، لم يهدد الخاسر بإدارة موازية، ولم يصف الجلسة بـ«غير القانونية» — بل عاد في الانتخابات التالية وفاز عبر الصندوق. هذا هو المسار الحضاري الوحيد الذي تعرفه الديمقراطيات الراسخة.

في كوردستان، الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو الكتلة الأكبر بـ39 مقعدًا، وقد تمكن من جمع 52 صوتًا من كتل وأطراف مختلفة. هذا يعني أن الجلسة لم تكن «انقلابًا» من حزب واحد، بل تعبيرًا عن أغلبية برلمانية تشكلت عبر تحالفات وقناعات فردية. الأقلية التي قاطعت الجلسة كان بوسعها الحضور والتصويت ضد القرارات، لكنها اختارت المقاطعة. والمقاطعة، في العرف الديمقراطي، ليست حق نقض، بل تخلٍ طوعي عن المشاركة. وكما قال جون لوك، فإن السلطة التشريعية ليست سوى سلطة ائتمانية تعمل من أجل أهداف محددة، ويبقى للشعب دائمًا سلطة عليا في تغييرها أو إزالتها — لكن هذه السلطة العليا يمارسها الشعب عبر صناديق الاقتراع، لا عبر التهديد بتقسيم المؤسسات.

البرلمان والدولة ليسا ملكًا لحزب

من المهم التمييز بين ما هو حزبي وما هو وطني. فالشخص يستطيع، عندما يفشل في رئاسة حزبه بعد انتخابات داخلية، أن ينشق ويشكل حزبًا آخر. وآخر يستطيع أن يقوم بانقلاب ضد زملائه داخل الحزب ويشكل حزبًا جديدًا ويترأسه.

 هذه كلها شؤون داخلية تخص الأحزاب، ولا أحد ينازع في حق أي سياسي في ممارستها ضمن إطار القانون. لكن البرلمان وحكومة إقليم كوردستان شيء مختلف تمامًا. فهما ليسا ملكًا لحزب ولا لتحالف ولا لشخص، بل هما ملك للشعب الكوردي بأسره، الذي اختار نوابه عبر صناديق الاقتراع. ومن يحاول التعامل مع البرلمان كما لو كان حزبًا خاصًا به، أو يهدد بتقسيمه أو تعطيله لأن حسابات حزبية لم تسر كما أراد، فإنه يخلط بين ما يملكه كسياسي وما يملكه الشعب وحده. الدولة والبرلمان أمانة في عنق الجميع، لا غنيمة لمن فاز أو خسر في لعبة السياسة. وهذا ما أكده رولز حين قال إن «العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية».

المحكمة الاتحادية: صلاحيات محدودة وليست شماعة

التهديد باللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا لا يغير من جوهر الأزمة. فالدستور العراقي، في المادة (92)، أناط بالمحكمة الاتحادية الفصل في دستورية القوانين والأنظمة، بما في ذلك التشريعات الصادرة عن الأقاليم. لكن هذا لا يعني أن المحكمة الاتحادية هي الجهة الوحيدة التي تحسم الخلافات السياسية حول شرعية جلسة برلمانية. فقرارات برلمان كوردستان، وفق الدستور، لها أولوية في نطاق اختصاص الإقليم، والمحكمة الاتحادية تتدخل فقط عندما يكون هناك خرق دستوري واضح، وليس لمجرد أن طرفًا سياسيًا رفض نتيجة تصويت. يضاف إلى ذلك أن تشكيل المحكمة الاتحادية نفسه محل جدل قانوني، إذ لم يصدر القانون المنظم لعملها وفق المادة (92) حتى الآن، مما يثير تساؤلات حول شرعية قراراتها في مثل هذه القضايا.

دروس من العالم: كيف تُدار الأزمات الانتخابية؟

إن ما يحدث في كوردستان ليس حالة فريدة، بل يتكرر في دول عديدة، والفرق يكمن في طريقة إدارة الأزمة. ففي غامبيا عام 2016، رفض الرئيس يحيى جامع نتائج الانتخابات التي خسرها، ولجأ إلى المحكمة العليا لعرقلة تنصيب منافسه. لكن المجتمع الدولي والمنظمة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) رفضا هذا التلاعب، وأُجبر جامع في النهاية على تسليم السلطة، لأن الإرادة الشعبية لا تُهزم بالمناورة القانونية.

وفي الكونغو الديمقراطية عام 2019، رفض المرشح الخاسر مارتن فايولو قرار المحكمة الدستورية الذي أيد فوز منافسه، ووصفه بأنه «انقلاب دستوري»، وأعلن نفسه «الرئيس الشرعي الوحيد». لكن هذا الرفض لم يغير النتيجة، لأن المؤسسات القضائية هي المرجع في النزاعات الانتخابية، وليس التصريحات الأحادية.

هذان المثالان يظهران أن رفض نتائج الانتخابات ليس ترفًا سياسيًا، بل هو محك حقيقي للديمقراطية. فمن يقبل النتيجة عندما يفوز، ويرفضها عندما يخسر، لا يمارس الديمقراطية، بل يمارس «استبداد الأقلية» الذي حذر منه أليكسيس دي توكفيل وجون ستيوارت ميل.

إن رفض الاعتراف بجلسة برلمانية شرعية، ليست مجرد خلافات سياسية عابرة. إنها امتحان حقيقي للإيمان بالديمقراطية. وكما قال لينكولن، فإن الديمقراطية هي «حكم الشعب، بالشعب، ومن أجل الشعب». وهي ليست فقط عندما تفوز؛ إنها عندما تخسر وتقبل النتيجة. من يرفض اليوم حكم الأغلبية في برلمان كوردستان، سيجد غدًا أن الشعب نفسه هو من سيرفضه. فالصندوق هو الفيصل، والدستور هو المرجع، والمؤسسة هي البيت الذي يجب أن يحتمي به الجميع، لا أن يُهدَّم من أجل حسابات ضيقة.

إن برلمان كوردستان ليس ملكًا لحزب أو تحالف، بل هو ملك للشعب الكوردي بأسره. ومن يحاول تعطيله أو تهديده، إنما يعطل إرادة الشعب ويهدد مستقبل كوردستان.