إجراءات الحكومة الاتحادية تجاه كوردستان بين التعقيدات الجمركية والتحديات الاقتصادية
أربيل (كوردستان24)- يواجه إقليم كوردستان منذ سنوات سلسلة من الإجراءات الاتحادية التي أثرت بشكل مباشر على اقتصاده واستقراره الإداري، لا سيما في ما يتعلق بالمنافذ الحدودية، والسياسات الجمركية، وحرية الحركة التجارية.
وقد اتسمت هذه الإجراءات بالتدرج والتصعيد، بدءًا من إصدار قوانين واتخاذ قرارات دون التنسيق مع حكومة الإقليم، وصولًا إلى فرض رسوم ونقاط تفتيش جديدة، وقيود مالية غير مسبوقة.
يستعرض هذا التقرير أهم القرارات الحكومية الاتحادية المتخذة منذ عام 2016 وحتى منتصف عام 2025، ويكشف عن مدى تعارض هذه الإجراءات مع أحكام الدستور العراقي، وتجاهلها للخصوصية القانونية والدستورية التي يتمتع بها إقليم كوردستان، فضلًا عن تأثيرها السلبي المباشر على الوضع المعيشي للمواطنين في الإقليم والعراق عمومًا.
1. قانون إدارة المنافذ الحدودية رقم (30) لسنة 2016 لحكومة إقليم كوردستان كان موضع ملاحظة، وقد تم عرض جميع الملاحظات أمام الحكومة الاتحادية. والمهم في الأمر أن هذه المؤسسة قد فرضت سيطرتها على العمل الجمركي، في حين أن المادة (114) من الدستور تنص على أن إدارة الجمارك تكون مشتركة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية. وقد صدر هذا القانون من برلمان الإقليم دون مراعاة لهذه الخصوصية الدستورية.
2. بسبب إجراء الاستفتاء في عام 2017 بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، والأحداث التي تلته، شرعت الحكومة الاتحادية بتنفيذ خطة داخلية وإقليمية للسيطرة على المناطق الكوردستانية الواقعة خارج إدارة الإقليم. وكان الهدف من هذه الخطة هو فرض السيطرة على إقليم كوردستان وإلغاء كيانه، لكن بفضل المقاومة البطولية لقوات البيشمركة بقيادة الرئيس بارزاني تم التصدي لهذه المحاولة. وبعد فشلهم عسكريًا، حاولوا تحقيق هدفهم اقتصاديًا عبر فرض (حصار جمركي ومنع الحركة التجارية) بين الإقليم وبقية مناطق العراق، واستمر هذا الحصار حتى عام 2019.
3. في عام 2019، أصدرت الحكومة الاتحادية (القرار رقم 13)، وبموجبه تم رفع الحصار وتوحيد التعريفة الجمركية مع الإقليم. كما نص (البند التاسع) من القرار على إجراء مراجعة لبنود القرار بعد ستة أشهر.
4. لم تقم الحكومة الاتحادية بأي مراجعة للقرار رقم 13، ولم تظهر أية مشكلات حتى عام 2023، حين بدأت الحكومة الاتحادية بالتحرك لإلغاء القرار رقم 13 لسنة 2019، وأصدرت القرارات التالية:
a. (القرار رقم 62 لسنة 2022)، المتعلق بمراجعة القرار رقم 13 لسنة 2019، وتم عقد اجتماع مشترك في 12/3/2023 في بغداد بين ممثلي الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. وبعد مراجعة شاملة للقرار، تبين أن حكومة الإقليم قد نفذت جميع التزاماتها، بينما لم تُنفذ بعض التزامات الحكومة الاتحادية. وتم رفع مقترحات إيجابية جدًا إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي، لكنها لم تُنفذ من قبل الحكومة الاتحادية.
b. في 12/1/2023، وجّه مكتب رئيس الوزراء كتابًا إلى هيئة المنافذ الحدودية بشأن دراسة وضع المنافذ الحدودية التابعة للإقليم والتي لا تعترف بها الحكومة الاتحادية، بهدف إضفاء الصفة الرسمية عليها. وفي 19/2/2023، أبلغت حكومة الإقليم الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي رسميًا بالكتاب رقم (ع.م/6588) بأن هناك (ستة منافذ حدودية) غير معتمدة رسميًا من قبل الجانبين، ويجب إضفاء الصفة الرسمية عليها، بالإضافة إلى إعادة فتح منفذ "كيله شين"على سيدكان مع ايران. ورغم صدور قرار من مجلس الوزراء بهذا الشأن، إلا أن الحكومة الاتحادية لم ترد على الكتاب حتى الآن.
c. في 12/2/2023، عُقد اجتماع آخر بحضور ممثلي الجانبين في هيئة المنافذ الحدودية العراقية، وتم إعداد (مذكرة تفاهم) بشأن المنافذ الحدودية، لكن وفد الحكومة الاتحادية تراجع لاحقًا عن توقيع المذكرة.
5. في عام 2023، أصدر مجلس الوزراء العراقي (القرار رقم 23661)، الذي نص على تشكيل لجنة وزارية مشتركة بين الحكومة الاتحادية والإقليم برئاسة نائب رئيس الوزراء د. محمد تميم، وعضوية وزراء الداخلية والإعمار والعدل، والأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي، ورئيسي هيئة المنافذ والهيئة الجمركية العراقية، بالإضافة إلى وزراء الداخلية والمالية والاقتصاد في الإقليم. وقد حُدد للجنة المهام التالية:
a. مراجعة إجراءات توحيد السياسة الجمركية وتنسيق قانون هيئة المنافذ الحدودية. وقد عقدت اللجنة اجتماعين وتم التوصل إلى (مسودة اتفاقية) نيابة عن الطرفين، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بسبب إصرار الحكومة الاتحادية على السيطرة على منافذ الإقليم، وهو ما يُعد مخالفًا للدستور والقانون، حيث أن مؤسسات الجمارك في الإقليم قائمة منذ عام 1992، وينص (المادة 117 من الدستور العراقي) على أن جميع المؤسسات التي كانت قائمة قبل 2005 تُعد دستورية ومعترف بها.
b. بين الاجتماع الأول والثاني، وقبل انتظار نتائج اللجنة، أصدرت الحكومة الاتحادية قرارًا بفرض رسوم جمركية في (1/8/2023)، مما أدى إلى (تعليق أعمال اللجنة)، وإنشاء (أربع نقاط تفتيش) للبضائع بين إقليم كوردستان وبقية العراق: في الموصل و"باء محمود" للبضائع المستوردة، وفي "جيمن" و"داره مان" للبضائع المحلية.
6. بدأت الحكومة الاتحادية (بمنع إرسال البضائع والمنتجات المصنعة في إقليم كوردستان)، رغم أنها من إنتاج المصانع المحلية، مع أن (قانون تطوير الصناعة رقم 20 لسنة 1998) لا يزال ساري المفعول في الإقليم. وما يزال هذا المنع مستمرًا حتى الآن.
7. في (1/9/2024)، عُقد اجتماع (المجلس الاقتصادي العراقي في أربيل)، تبعه اجتماع مشترك لمدة يومين مع حكومة الإقليم، بحضور رئيس الحكومة. نوقشت خلال الاجتماعات مشكلات متعددة، من بينها: المنافذ الحدودية، ومنع المنتجات المحلية، وتمويل المتعاقدين، ومشكلة الشركات غير المعترف بها من بغداد، ومشكلة مراقبة الجودة. ونتيجة لذلك، صدر (الأمر الديواني رقم 79/س)، وتم تشكيل (لجنة مشتركة) لمعالجة هذه المشكلات، وبعد مفاوضات وضغوط من بعض الجهات الاتحادية، تم (إنجاز اتفاق) واعتماده من قبل المجلس الاقتصادي العراقي.
8. في 20/2/2025، أصدرت الحكومة الاتحادية (قرارًا جديدًا)، ودخل حيز التنفيذ في 15/3/2025، بهدف الضغط على اقتصاد الإقليم. ويُعد هذا القرار (مخالفًا للدستور)، لا سيما المواد (24، 25، 26) وقانون الجمارك المطبق في الإقليم. ويقضي القرار بختم البضائع في منافذ الإقليم. وبعد اجتماعات متعددة، تم التوصل في 6/5/2025 إلى (اتفاق مؤقت) مع وفد الحكومة الاتحادية، يمنح (مدة ستة أشهر) للبضائع المخزنة في الإقليم للمرور عبر نقاط التفتيش، بدلًا من المدة الأصلية وهي 72 ساعة، وذلك بسبب استقرار الأوضاع الأمنية وتوفر معظم مخازن البضائع داخل الإقليم.
9. أصدرت الحكومة الاتحادية (القرار رقم 270) بشكل أحادي الجانب، متضمنًا تغيير التعريفة الجمركية التي سبق الاتفاق عليها مع الإقليم، ورفعها على معظم البضائع والسلع المستوردة. وقد أثار هذا القرار (استياءً شعبيًا واسعًا) داخل الإقليم وفي عموم العراق، نظرًا لتأثيره السلبي على الأسعار والوضع الاقتصادي للمواطنين. وقد أرسلت حكومة الإقليم الكتاب رقم (م.ر/16726) بتاريخ 8/5/2025 موضحة جميع ملاحظاتها، لكن الحكومة الاتحادية تجاهلتها. يُذكر أن الحكومة كانت قد ألغت سابقًا التعريفة الجمركية واعتمدت التحصيل الجمركي على الحاويات بموجب القرار رقم 23055 لسنة 2023.
10. في 4/6/2025، أبلغت الهيئة الجمركية العراقية نقاط التفتيش في الموصل و"باء محمود" بعدم السماح بمرور أي حمولة من الإقليم متجهة إلى باقي مناطق العراق، ما لم تحصل على (التعريفة الجمركية الجديدة).
11. فيما يتعلق بـ (التحويلات المالية)، قام البنك المركزي العراقي بـ(إيقاف جميع التحويلات) ما عدا تلك التي تحتوي على رمز (QR) جمركي عراقي. وبذلك، أصبح من غير الممكن لأي تاجر تحويل أمواله إلى الخارج ما لم يكن لديه هذا الرمز، وذلك بموجب كتاب البنك المركزي رقم (17/4/9) بتاريخ 12/5/2025.
12. من خلال ما ذُكر أعلاه، يتبين بوضوح أن الحكومة الاتحادية تتبع (سياسة منظمة تهدف إلى معاداة إقليم كوردستان) وإضعاف اقتصاده، وهو أمر (مرفوض دستوريًا وقانونيًا) ولا يمكن القبول به بأي حال من الأحوال.