قرية "حسني" في أورمية: حينما تكون العشيرة عائلة واحدة.. رحلة بين عبق الماضي وتحديات الحاضر
في أحضان الطبيعة الجبلية لشرق كوردستان(ايران)، وتحديداً في ضواحي مدينة أورمية، تقع قرية "حسني"؛ المكان الذي لا يزال يحتفظ بروح "العائلة الكبيرة" في زمن تلاشت فيه الكثير من الروابط الاجتماعية. هنا، في "حسني"، لا تُقاس العلاقات بالجيرة فحسب، بل بدم الانتماء لسلالة واحدة تجتمع تحت كنف كبيرها، لترسم لوحة من التضامن في الأفراح والأتراح.
يُجمع سكان القرية، الذين ينحدر أغلبهم من نسل "حاجي أحو" و"حاجي حسن"، على أن هويتهم تكمن في تلاحمهم. يروي الوجهاء كيف أن القرية تعمل كجسد واحد؛ فالمجلس الذي يتصدره كبار السن ليس مجرد مكان لتناول الشاي، بل هو "محكمة صلح" اجتماعية تُحل فيها النزاعات وتُتخذ فيها قرارات تخص الجماعة.
يقول أحد الوجهاء بصوت يملؤه الفخر: "نحن في حسني، نعيش كعائلة واحدة. إذا فرح أحدنا فرحنا جميعاً، وإذا حزن بكينا معه. هذه الروح ورثناها عن أجدادنا، وهي ما يحمينا في هذا الزمن المتغير".
للأفراح في هذه القرية نكهة خاصة تعيد إحياء الفلكلور الكوردي الأصيل. فبينما تغزو الموسيقى الحديثة كل مكان، لا يزال فن "اللوجة" (الغناء التراثي الذي يشبه المقامات) حاضراً في أعراسهم، حيث يتبارى المبدعون في غناء مقاطع تروي قصصاً من التاريخ والحب والشجاعة.
أما "دبكة الشيخاني"، فهي العلامة الفارقة؛ حيث تشرك حلقات الرقص الجميع، من الشباب الذين يرتدون الزي الكوردي الحديث إلى كبار السن الذين يحافظون على السروال والسترة التقليدية. وتوضح المشاهد التلاحم في حلقات "الگوڤەند"، حيث تتشابك الأيدي تعبيراً عن القوة والوحدة.
بينما ينشغل الرجال بالنقاشات في الدواوين، تدير النساء دفة الحياة اليومية. في المطابخ الكبيرة، تعمل النسوة كخلية نحل لتحضير الولائم الجماعية التي تتميز بها القرية. تُعد "المرقة" والأرز الكوردي على الطرق التقليدية، وسط أحاديث تستذكر كيف كانت الحياة "أكثر بساطة وأقل كلفة" في الماضي.
إحدى الجدات تستذكر بابتسامة حزينة: "قديماً كانت الحياة صعبة جسدياً لكنها مريحة نفسياً. اليوم، أصبح كل شيء سهلاً ومستقلاً، لكننا نفتقد ذلك الجمع الدائم الذي كان يجعل من كل يوم عيداً".
يشهد الجيل الجديد في القرية تحولاً ملحوظاً؛ فالعديد منهم أكملوا تعليمهم الجامعي وانخرطوا في مهن حديثة كالهندسة والتعليم والرياضة. ورغم ميلهم للاستقلال في العيش بعيداً عن "البيوت المشتركة" الكبيرة، إلا أنهم يحرصون على العودة إلى القرية في كل مناسبة، مؤكدين أن التطور لا يعني الانفصال عن الجذور.
بينما تغيب الشمس خلف جبال أورمية، وتُفرش الموائد الطويلة التي تجمع الصغير والكبير، تظل قرية "حسني" شاهدة على صمود القيم الاجتماعية الكوردية. إنها ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي "ذاكرة حية" تحاول الموازنة بين طموح الشباب وحكمة الشيوخ، لتستمر حكاية "حاجي أحو" لسنوات طويلة قادمة.
المصدر: برنامج ريبار - كوردستان 24