كوردستان سوريا.. بين مطرقة الواقع وسندان الحقوق التاريخية
في حلقة استثنائية من برنامج "باسي روژ" (حديث اليوم)، تستضيف قناة "كوردستان 24" شخصية كوردية بارزة من قلب أوروبا، وهو و "جيان عومر"، عضو برلمان برلين والباحث في الشؤون السياسية والأكاديمية. يأتي هذا اللقاء في وقت حساس تشهده المنطقة، حيث تتسارع التطورات الميدانية والسياسية في شمال وشرق سوريا غرب كوردستان(روژآفا). سنناقش اليوم أبعاد الاتفاقيات الأخيرة بين "قسد" وحكومة دمشق، ورمزية علم كوردستان، ومستقبل الحقوق الكوردية في ظل التغيرات الجيوسياسية المتلاحقة.
كوردستان24: مساء الخير أعزائي المشاهدين، أهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج "باسي روژ". كما كان متوقعاً، بدأت بنود الاتفاق بين "قسد" ودمشق تدخل حيز التنفيذ، حيث توجهت اليوم وحدات إضافية من قوات دمشق نحو القامشلي. هذا هو محورنا الأساسي الليلة، وسأناقشه مع ضيف مميز جداً.. ضيفنا اليوم عرف بمواقفه القوية، واشتهر عالمياً عندما رفع علم كوردستان في قناة "الجزيرة"، وهو اليوم معنا في استوديو "كوردستان 24". السيد جيان عومر، عضو برلمان برلين والباحث السياسي والأكاديمي، أهلاً بك.
جيان عمر: تحية لكِ وللمشاهدين الكرام. يسعدني جداً أن أكون هنا على أرض كوردستان المقدسة وبين أهلي.
كوردستان24: ونحن أيضاً سعداء بوجودك. دعنا نبدأ بالحديث عن الاتفاق الأخير والوضع في "روژآفا".. وعن هذا النضال المدني الذي تخوضه من أجل القضية الكوردية في المنابر الإعلامية والسياسية. قبل الخوض في التفاصيل، ماذا يعني لك "علم كوردستان"؟
جيان عمر: علم كوردستان هو علم الأمة بأكملها، علم كل أجزاء كوردستان. أرى في هذا العلم هويتنا ورمزاً لوجودنا. عندما جئت إلى كوردستان وزرت العديد من دول العالم، كان قلبي يمتلئ بالفرح حين أرى هذا العلم يرفرف في مطار أربيل. نحن ككرد عانينا الظلم طوال المئة عام الماضية، ولم يكن لنا وطن حر، ولغتنا كانت ممنوعة في أماكن كثيرة. لذا، حين أرى هذا العلم، أشعر بالفخر. عندما ذهبت لتلك القناة، قلت إنني أناقش قضية "روژآفا" وقضية شعبي، ومن الضروري أن يكون العلم حاضراً لرفع معنويات أمتنا. أشكر إقليم كوردستان حكومةً وشعباً على دعمهم المستمر لإخوتهم في روژآفا.
كوردستان24: ما هو الشعور الذي ينتابك وأنت ترى هذا الدعم؟
جيان عومر: دعم معنوي كبير جداً. حين رأيت الإقليم بكل مؤسساته وشعبه يقفون معاً لدعم روژآفا، شعرت بفخر لا يوصف. أردت من خلال رفع العلم إيصال رسالة شكر لشعبنا في الإقليم، ولنؤكد أننا نرى هذا الدعم ونقدره. قبل البرنامج، طلب مني المذيع عدم رفع العلم، لكنني رفضت بشدة وقلت له إن هذا العلم سقي بدماء آلاف الشهداء، والكورد في الأجزاء الأربعة يرون أنفسهم فيه. هو علم معترف به في الدستور العراقي كإقليم فيدرالي، فلماذا تمنعونه؟ قلت لهم إما أن يظهر العلم أو لن أشارك في البرنامج. لقد جعلت العلم شرطاً أساسياً لأنني أرى فيه كرامة كل كوردي.
كوردستان24: بالفعل، العلم الكوردي رفرف اليوم مجدداً في القامشلي مع بدء تنفيذ مراحل الاتفاق. السيد جيان، البعض يرى في هذا الاتفاق "استسلاماً".. ما رأيك؟
جيان عومر: أولاً، هذا الاتفاق أوقف نزيف الدماء، وهذا كان مطلبنا الأساسي؛ وقف الحرب وحماية الشعب الكردي من التهجير. نحن نعلم أن القوى المرتبطة بدمشق قد تكون قاسية، ورأينا ما حدث في مناطق مثل شيخ مقصود والأشرفية وكوباني من قتل وتدمير. لذا، التهدئة ضرورية. لكن النضال لم ينتهِ بهذا الاتفاق. مناطقنا من القامشلي إلى الحسكة وعفرين يجب أن تظل تحت سيطرة الإدارة الكوردية، ولا يجوز تسليمها بالكامل. نحن نعلم أن نظام دمشق قد يتنصل من وعوده في أي لحظة، لذا يجب أن يستمر النضال السياسي والميداني لحماية مكتسباتنا.
كوردستان24: هل يمكن أن يكون هذا الاتفاق بداية لسوريا جديدة؟
جيان عومر: آمل ذلك، لكن الطريق طويل ويتطلب عملاً شاقاً. اليوم دخلت بعض القوات التابعة للنظام، لكنها استقرت في نقاط محددة كان النظام يتواجد فيها سابقاً. المناطق الكوردية يجب أن تظل تحت سيطرة مقاتلينا الكرد. لقد لعب الدبلوماسيون الكورد، وعلى رأسهم السيد مسعود بارزاني، دوراً استراتيجياً كبيراً في تقريب وجهات النظر وحماية العمق الكوردي. لولا دعم إقليم كوردستان (جنوب كوردستان)، لكان وضع روژآفا أسوأ بكثير. الدعم الدبلوماسي والسياسي الذي قدمه الإقليم كان حاسماً.
كوردستان24: هل أصبح الإقليم "البيت الكبير" والملاذ الآمن لكل الكورد؟
جيان عمر: مئة بالمئة. الإقليم هو الرئة التي نتنفس منها. لولا وجود إقليم كوردستان المحرر، لكانت وضعيتنا مأساوية. نحن نرى في الإقليم أخاً يقف خلفنا في كل الأزمات، دبلوماسياً واقتصادياً وسياسياً. أشكر شعب الإقليم ومؤسساته الإعلامية، مثل "كوردستان 24"، التي بذلت جهوداً جبارة في إيصال صوتنا.
كوردستان24: سؤال هام: هل يجب على الكورد التخلي عن السلاح والاعتماد على النضال السياسي فقط، أم يجب أن يظل السلاح حاضراً؟
جيان عومر: السلاح الكوردي هو الضمانة. التاريخ علمنا في الأجزاء الأربعة أننا قد نُغدر في أي وقت. في سوريا، وبغض النظر عن شكل النظام القادم، إذا لم يمتلك الكورد قوتهم الدفاعية، فسوف يتعرضون للإبادة مجدداً. السلاح هو الضامن للحقوق الدستورية والسياسية. الكورد دوماً مع السلام والأخوة، لكن لمن يقبل بوجودنا وهويتنا. السلاح يحمي وجودنا القومي.
كوردستان24: إذن الثقة لم تُبنَ بعد.. الكورد يجب أن يظلوا حذرين. ماذا عن "أخوة الشعوب"؟ هل فشل هذا الشعار في روژآفا؟
جيان عومر: في السنوات العشر الماضية، تم التركيز كثيراً على "أخوة الشعوب" على حساب "الأخوة الكوردية"، وهذا كان خطأً استراتيجياً. نحن مع الأخوة مع الجميع، لكن ليس على حساب هويتنا. نحن نعيش في دول (تركيا، سوريا، إيران) تعرف نفسها بأنها عربية أو تركية أو فارسية، بينما الكورد مكون أصيل. يجب أولاً تعزيز الوحدة الكوردية. الأخوة الكوردية هي التي حمتنا في عفرين وكوباني والقامشلي. مشروع "أخوة الشعوب" لم يحمِ الكورد من "داعش" ولا من التنكيل؛ بل دماء المقاتلين الكورد هي من فعلت ذلك.
كوردستان24: السيد جيان، أنت برلماني وأكاديمي وباحث.. كيف تقيم الموقف الدولي مما يحدث؟ هل تعرض الكورد للخيانة مجدداً؟
جيان عومر: لا أحب كلمة "خيانة" لأن السياسة الدولية هي سياسة مصالح "قذرة". الدول تبحث عن مصالحها القومية أولاً. نحن ككورد يجب أن نضع مصالحنا على الطاولة الدولية. اليوم صوت الكورد مسموع في واشنطن وبرلين وباريس ولندن أكثر من أي وقت مضى. هناك أصدقاء كثر لنا، لكن يجب أن نلعب أوراقنا بذكاء. يجب تعزيز "اللوبي الكوردي" في أوروبا وأمريكا.
كوردستان24: ما الذي فعلتموه في ألمانيا من أجل القضية؟
جيان عومر: لقد أوصلنا قضية روژآفا إلى طاولة البرلمان في برلين. في الأسبوع الماضي، كان لنا نقاشات مكثفة، وأصدرنا تصريحات تدعم حقوق الإنسان وحقوق المرأة والمشروع الكوردي كونه المشروع الوحيد الذي يحمي التعددية في المنطقة. صوتنا وصل، لكن الخطوة القادمة هي تعزيز الضغط السياسي لتحويل هذا التعاطف إلى اعتراف رسمي بالحقوق الكردية في الدستور السوري القادم.
كوردستان24: هل ألمانيا ستكون الضامن لهذا المسار؟
جيان عومر: ألمانيا مهتمة جداً بالاستقرار في المنطقة، خاصة مع وجود ملايين اللاجئين السوريين لديها. هي تريد سلاماً دائماً، ونحن نقول لهم إن السلام لن يتحقق دون حل عادل للقضية الكوردية.
كوردستان24: السيد جيان عومر، شكراً جزيلاً لوجودك معنا اليوم في استوديو "كوردستان 24"، لقد سعدنا جداً بهذا الحوار الصريح.
جيان عومر: شكراً لكم، وأنا أيضاً كنت سعيداً جداً.
كوردستان24: شكراً لكم أعزائي المشاهدين، نلتقي في حلقة أخرى من برنامج "باسي روژ". طاب مساؤكم.