ألوان كوردستان تزيّن شواطئ ليما: حكاية الفنان دلير رشيد في بلاد الإنكا

اربيل (كوردستان24) بعيداً عن جبال كوردستان الشامخة وتفاصيل مدينته زاخو، وبحثاً عن الهدوء على ضفاف المحيط الهادئ، وعلى مسافة تُقدر بأكثر من 13 ألف كيلومتر عن وطنه الأم، اختار الفنان التشكيلي الكوردي، دلير حسني رشيد، العيش في دولة بيرو بأمريكا الجنوبية. جاء هذا الاستقرار بعد مسيرة اغتراب طويلة أملتها الأحداث السياسية التي شهدها العراق وإقليم كوردستان عقب عام 1991، ليشق طريقه أولاً نحو تركيا، ثم كندا، قبل أن ينتهي به المطاف في دولة بيرو.

هناك، بين أمواج الهادئ وثقافة حضارة "الإنكا" العريقة، أسس رشيد منزلاً ومرسماً خاصاً به، ليمارس شغفه الفني في الرسم، وينقل خبراته الأكاديمية إلى الأجيال الجديدة من أطفال المنطقة، معززاً بذلك جسراً ثقافياً فريداً يربط بين كوردستان وكندا وأمريكا اللاتينية.

رحلة الهجرة: من أكاديمية بغداد إلى شواطئ "ليما"

تخرج الفنان دلير حسني رشيد في أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد في العام الدراسي 1985-1986، حيث صقل موهبته وتخصص في مجالات الديكور، والمسرح، والسينما، بالإضافة إلى مساهمات بسيطة في التمثيل والتصميم.

ومع مطلع عام 1991، وفي ظل الظروف الصعبة التي مر بها العراق، غادر رشيد البلاد متوجهاً إلى تركيا التي يصفها بأنها "بلد كبير حظي فيه بفرص جيدة". ومن تركيا انتقل إلى كندا، وهناك التقى بشريكة حياته، وهي مواطنة من بيرو تعرف عليها في المدرسة الفرنسية. قاده هذا اللقاء إلى التعرف على بلدها الأم، ليقرر لاحقاً التنقل المستمر الى العاصمة البيروفية "ليما" واطرافها منذ ما يزيد على عدة أعوام.

بيرو: بلد "الألف عِرق" والاستقرار الاجتماعي

في حديثه عن دولة بيرو، يصف رشيد هذه الدولة بأنها واحة للتعايش والتنوع الثقافي، قائلاً:

"بيرو بلد جميل جداً، ويُعرف ببلد الألف عِرق، حيث تتعايش فيه قوميات وملل متعددة من يابانيين، وصينيين، وأوروبيين، وهولنديين، وأستراليين، وألمان وغيرهم. هذا التنوع يضفي طابعاً فريداً على المجتمع الذي يتسم بغياب العنصرية والتفرقة".

ويرد رشيد على التساؤلات المتعلقة بـ"الغربة" وصعوبة العيش بعيداً عن الوطن بقوله: " الناس هنا طيبون للغاية وودودون، والنساء والرجال يتعاملون باحترام متبادل، والبلد آمن بشكل عام".

وعن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في بيرو، يوضح رشيد أن الصورة الذهنية التي تنقلها بعض وسائل الإعلام أحياناً غير دقيقة وتندرج ضمن "البروباغندا المشوهة"، مشيراً إلى أن العملة المحلية (السول) تتمتع باستقرار قوي أمام الدولار منذ سنوات، مما يوفر بيئة استثمارية جيدة، إلى جانب توفر قطاعات تعليمية وصحية متطورة. كما يشير إلى غنى الطبيعة البيروفية التي تضم جزءاً مهماً من غابات الأمازون (حوالي 25%)، فضلاً عن تنوع تضاريسها وشهرتها العالمية في إنتاج القهوة والكاكاو.

سفير غير رسمي لكوردستان في أمريكا اللاتينية

على الرغم من المسافات الشاسعة، لم تغب كوردستان يوماً عن وجدان الفنان دلير رشيد؛ إذ يزين علم كوردستان مرسمه في منزله المطل على المحيط الهادئ. وباعتباره المواطن الكوردي الوحيد المقيم في تلك المنطقة، تحول رشيد بمرور الوقت إلى سفير غير رسمي يعرف المجتمع البيروفي بالعادات، والتقاليد، والمطبخ الكوردي.

وفي شهادة تعكس عمق الأثر الذي تركه رشيد في محيطه الجديد، يتحدث صديقه البيروفي خوان دييغو فيخو، وهو من سكان منطقة "سان بارتولو" بالعاصمة ليما، قائلاً:

"تعرفت على دلير قبل نحو 4 سنوات عبر أصدقاء مشتركين. كانت تلك المرة الأولى التي أقابل فيها شخصاً من كوردستان وأتعرف على لغتها وثقافتها. لقد وجدته إنساناً طيباً ومخلصاً ومثابراً في عمله الفني".

ويضيف فيخو:

"بفضل دلير، تذوقت الطعام التقليدي الكوردي للمرة الأولى، وتعرفت على تطلعات الشعب الكوردي ورغبته في العيش بأمان واستقلال. إن وجوده بيننا يمثل قيمة مضافة للتبادل الثقافي، ونحن سعداء بوجوده في ليما".

وفي سياق متصل، يعبر الشاب البيروفي لوكاس، وهو ممارس لرياضة ركوب الأمواج، عن ترحيب مجتمعه بالثقافات المختلفة، موجهاً عبر كاميرا "كوردستان 24" تحية طيبة إلى الشعب الكوردي والعراق، متمنياً لهم السلام والتقدم.

ارتباط وثيق بالجذور ورؤية لتطوير "زاخو"

ينحدر الفنان دلير رشيد من عائلة وطنية معروفة في مدينة زاخو؛ حيث كان والده (حسني رشيد) وجده ايضا، من الشخصيات الاجتماعية المرموقة التي قدمت تضحيات في سبيل القضية الكوردية.

ورغم غيابه الطويل، يتابع رشيد بشغف حركة الإعمار والتطور التي تشهدها مدينته الأم زاخو، لاسيما مشروع "كورنيش زاخو" الجديد. ومن منطلق حرصه، يطرح رشيد مقترحاً هندسياً وبيئياً للمشرفين على المشروع قائلاً:

"نقترح تدعيم جوانب الكورنيش بحواجز إسمنتية طبيعية وكتل صخرية كبيرة لامتصاص قوة تدفق مياه نهر الخابور وحماية الضفاف من الانجراف. كما نأمل زيادة المساحات الخضراء لحماية البيئة المائية وجعل المنطقة جاذبة للحياة البرية، مع ضرورة التنظيف المستمر لمجرى نهري الخابور وريزا من المخلفات البلاستيكية".

رسالة إلى رئاسة الحكومة: نحو التحول الرقمي

في ختام حديثه، وجه الفنان التشكيلي دلير حسني رشيد رسالة إلى رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، أشاد فيها بجهود الإعمار الحالية، مقدماً مقترحاً يتعلق بتطوير الخدمات الإدارية:

"نثمن ما قدمتموه من جهود واضحة في مجالات الإعمار والتطوير. وتطلعاً للأفضل، نأمل من سيادتكم مواصلة العمل على تسهيل المعاملات الإدارية وإجراءات الجنسية والأوراق الرسمية في الدوائر الحكومية والمحاكم، من خلال اعتماد الأنظمة الرقمية الحديثة التي تنجز المعاملات في دقائق معدودة وبما يضمن راحة المواطن وكرامته".

يجسد الفنان دلير حسني رشيد، من خلال حياته وعمله في بيرو، نموذجاً للمواطن الكوردي المغترب الذي يحمل وطنه في قلبه وفنه أينما حل، ليثبت أن الفن والثقافة قادران على تقريب المسافات مهما بعدت الجغرافيا.