من الصمت اللاسلكي إلى الطاقة الموجهة: فصل جديد من المواجهة التكنولوجية بين واشنطن وطهران
أربيل (كوردستان24)- اتجهت إيران نحو الاعتماد على الطائرات المسيّرة الموجهة عبر الألياف البصرية (Fiber-Optic Drones)، في خطوة جاءت رداً على الاستهدافات الأمريكية المتكررة للبنية التحتية اللاسلكية، وشبكات الرادار، وأبراج الاتصالات الممتدة على طول الساحل الجنوبي والجنوب الشرقي لإيران المطل على مضيق هرمز وبحر عُمان.
وفي مقابل هذا التحول، شرع الجانب الأمريكي في إعادة توجيه قدراته العسكرية لمواجهة هذا الجيل من المسيّرات "المنيعة" ضد التشويش التقليدي. وكشفت مصادر غربية أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تتمحور حول تكتيك "الهجوم على المصدر" (Attack at the Source) لتحييد منصات الإطلاق بشكل استباقي، بالتوازي مع نشر أسلحة "الطاقة الموجهة" مثل أشعة الليزر عالية الطاقة والميكروويف، بهدف إعطاب كاميرات التوجيه وعزل الطائرة فيزيائياً عن مشغلها.
وأشارت المصادر إلى أن البحرية الأمريكية بدأت بالفعل في ترقية مستشعرات الرصد البصري والحراري على قطعها البحرية، لتتبع "الأثر الحراري" للمحركات الصغيرة، كبديل أكثر دقة من الرادارات التقليدية التي قد تعجز عن رصد هذه الأهداف الصغيرة.
مواجهة تكنولوجية صامتة
يفرض هذا التحول المتبادل واقعاً تكتيكياً جديداً يتجاوز أساليب الحرب اللاسلكية التقليدية، ما ينقل الصراع في ممرات الطاقة الحيوية إلى مستوى غير مسبوق من "المواجهة التكنولوجية الصامتة"؛ حيث تتسابق محاولات التطويق الإيرانية مع الاستجابة الدفاعية الأمريكية السريعة.
وتنبع الأهمية التقنية لهذا التحول من آلية إدارة هذه المسيّرات؛ إذ تعتمد على بكرات سلكية دقيقة وعالية المتانة تنفك خلف الطائرة أثناء طيرانها، ما يربطها فيزيائياً بمنصة الإطلاق أو بالمشغل على الأرض. وتؤكد تقارير عسكرية أن هذا الأسلوب يحرم منظومات الرصد والتشويش من ميزتها الأساسية؛ فالمسيّرة لا تبث أو تستقبل أي موجات راديوية، وبالتالي لا يمكن رصد بصمتها الإلكترونية أو "اختطاف" إشاراتها عبر أدوات الحرب الإلكترونية المعتادة.

الخبرة الأوكرانية في مياه الخليج
تكشف معلومات صادرة عن مراكز أبحاث عسكرية في واشنطن، ومنها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، أن طهران استفادت بشكل مباشر من التجربة الروسية في حرب أوكرانيا؛ حيث أثبتت مسيّرات الألياف الضوئية قدرة فائقة على اختراق خطوط الجبهات الأكثر تحصيناً إلكترونياً، وهي الخبرات التي نقلتها طهران بسرعة إلى مصانعها الحربية وسواحلها المطلة على الخليج.
وفي هذا السياق، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء متقاعد هشام أحمد، أن جغرافية مضيق هرمز تمنح هذا السلاح فاعلية مضاعفة تفوق أي مسرح عمليات آخر؛ فالمسافة بين السواحل الإيرانية وممرات الملاحة الدولية عند أضيق نقطة في المضيق تبلغ نحو 30 ميلاً بحرياً، ما يضع الممرات بالكامل ضمن المدى العملياتي لهذا الجيل الجديد.
ويؤكد أحمد أن أبعاد هذا السلاح تتجاوز الجانب العسكري الصرف لتمس العصب الحساس للاقتصاد العالمي؛ إذ إن القوة التدميرية لهذه المسيّرات لا تُقاس بزنة رؤوسها المتفجرة فحسب، بل بدقتها العالية في استهداف الأجزاء الحيوية من ناقلات النفط، مثل غرف المحركات أو أنظمة التوجيه.
تحديات الرصد والاستجابة
بحسب تقييمات صادرة عن "مؤسسة راند" للأبحاث، فإن الأنظمة الدفاعية الحالية على السفن الحربية، المصممة لمواجهة الصواريخ والمسيّرات اللاسلكية، تعتمد بالدرجة الأولى على الرصد المبكر للإشارات أو التتبع الراداري للأجسام الكبيرة. أما مسيّرات الألياف الضوئية، المصنوعة غالباً من مواد مركبة وبلاستيكية ذات بصمة رادارية ضئيلة، فإنها تنجح في التسلل تحت رادار الكشف التقليدي.
وتلفت "راند" إلى أن استراتيجية "التدمير الفيزيائي" باستخدام الصواريخ الاعتراضية أو المدافع الرشاشة تصبح بالغة الصعوبة نظراً لقصر مسافة الطيران والارتفاع المنخفض جداً للمسيّرة فوق سطح الماء، ما يترك لطواقم السفن ثوانٍ معدودة فقط للاستجابة. وهذا ما يفسر المسار الأمريكي المتسارع نحو تكتيكات الليزر والضربات الاستباقية للمشغلين على الأرض.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن التعامل مع هذا النوع من التهديدات يتطلب تغييراً جذرياً في قواعد الاشتباك؛ إذ لم يعد مجدياً التركيز على قصف البنية التحتية الثابتة للاتصالات بعدما جرى تجاوزها تقنياً، بل بات من الضروري الانتقال إلى استراتيجية رصد ومهاجمة "فرق الإطلاق" والمشغلين الميدانيين قبل لحظة الصفر.
المصدر: وکالات