"دفتر الجميلي الأزرق": كواليس شبكات التمويل السياسي ومتاهات تهريب النفط في العراق

أربيل (كوردستان 24)- في بلد يطفو على بحر من النفط، تحولت ثروات العراق الوطنية في كثير من الأحيان إلى وقود لتغذية ما يُعرف بـ"المكاتب الاقتصادية" التابعة لقوى سياسية وفصائلية متنفذة. وفي الآونة الأخيرة، تبلورت ملامح قضية كبرى تدور حول شخصية عدنان الجميلي، الموقوف حالياً على ذمة التحقيق بتهم الاختلاس.

قضية الجميلي ليست مجرد واقعة فساد معزولة، بل هي نافذة تكشف عن بنية تحتية معقدة لإدارة العقود وتوجيه الأموال، تُوجِّهها خوارزميات مالية مبتكرة وشبكات تهريب عابرة للحدود.

الصعود المفاجئ و"الدفتر الأزرق"

تشير المعطيات المتاحة إلى أن الصعود السريع للجميلي منذ عام 2023 ارتبط بشكل وثيق بتغيرات في موازين القوى السياسية بالتزامن مع تشكيل حكومة محمد شياع السوداني. ووفقاً لمستشار مطلع، فإن الجميلي -الذي لم تكن لديه خبرة سابقة في إدارة المكاتب الاقتصادية- تحول سريعاً إلى واجهة مالية وبديل اقتصادي لتحالف سياسي صاعد حصد مكاسب بارزة في الانتخابات الأخيرة.

خلال فترة قياسية، تمكن الجميلي من تمرير عقود لمصافي الشمال تُقدر بنحو 4 مليارات دولار. غير أن التفاصيل الأكثر إثارة ظهرت مع الكشف عما يُعرف بـ"الدفتر الأزرق".

وتفيد شهادات سياسيين ومصادر قضائية بأن الجميلي كان يتلقى طلبات مكتوبة بخط اليد من زعيم التحالف السياسي لتمويل الحملات الانتخابية لمرشحي الحزب، وهي مبالغ تراوحت -حسب الروايات- بين 150 مليوناً ونصف مليار دينار عراقي للمرة الواحدة. وكان الجميلي يدوّن هذه المعاملات في دفتره الأزرق، الذي تحول اليوم، بحسب مصادر قضائية، إلى مستند رئيسي لتعقب حركة الأموال وتحديد الأسماء والشبكات المتورطة.

صفقة رومانيا ولغز "المسيرة" في مصافي بيجي

من بين أبرز الملفات التي تضمنها هذا النشاط المالي، عقد بقيمة تقارب 450 مليون دولار لشراء مضخات وكابسات من رومانيا لصالح مصفاة بيجي. وتشير شهادات مسؤولين سابقين وعناصر أمن إلى أن هذه المعدات تم التعاقد عليها لتعويض وحدات إنتاجية فُقدت في ظروف غامضة عقب معارك التحرير ضد تنظيم "داعش".

ومع ذلك، واجه المشروع عقبات فنية كبرى، حيث تبين أن المعدات المستوردة لا تتوافق مع البنية الإنشائية للمصفاة وتعود لطرازات قديمة خارج الخدمة.

وأفاد موظفون في المنشأة بأن المعدات أُدخلت ورشاً محلية لطلائها بغرض إظهارها كجديدة، قبل أن يتم ركنها جانباً لعدم صلاحيتها للعمل، مما حال دون إنتاج وقود البنزين الأبيض بالمواصفات المطلوبة.

وفي تطور لاحق أثار الكثير من الشبهات، تعرض الموقع الذي يضم هذه المعدات في مصفاة بيجي إلى ضربة بطائرة مسيرة في يوليو (تموز) 2025، أسفرت عن تدمير الشحنة دون تسجيل خسائر بشرية، وهو ما يراه مراقبون محاولة محتملة لطمس معالم الصفقة التالفة.

تجارة "النفط الأسود": أرباح بمليارات الدولارات في الظل

لا تقتصر تعاملات الشبكات الاقتصادية على العقود الإنشائية، بل تمتد إلى تجارة الظل الخاصة بـ"النفط الأسود" (زيت الوقود). يُستخدم هذا المنتج محلياً لتشغيل محطات الكهرباء ومعامل الأسفلت، لكنه تحول إلى مصدر رئيسي للتمويل الموازي.

وتشير التقديرات إلى أن "التهريب المزدوج" للنفط الأسود حقق أرباحاً بلغت نحو 2.6 مليار دولار سنوياً بين عامي 2023 و2025. وتدار هذه العمليات عبر آليتين متزامنتين، منها الحصول على حصص حكومية مدعومة تفوق الحاجة الفعلية لمعامل الأسفلت القائمة. مع شراء كميات من الوقود بأسعار مخفضة (بعد خفض الحكومة سعر الطن من 250 إلى 100 دولار) لصالح معامل وهمية موجودة على الورق فقط.

الكميات الفائضة والمهربة يجري نقلها عبر صهاريج ووسطاء إلى موانئ التصدير، حيث يُخلط بعضها بزيت وقود مستورد من دول الجوار لإعادة تصديره بأوراق منشأ عراقية، وتوجيهه إلى مصافٍ إقليمية مخصصة لاستقبال هذه الشحنات.

خوارزمية الأرباح: الفساد المالي بنمط متطور

يوضح الخبراء والمحققون أن المكاتب الاقتصادية طورت أساليبها لتجاوز الطرق التقليدية (مثل قبض العمولات المباشرة أو التنفيذ المباشر عبر شركات غير مؤهلة). وتعتمد الصيغة الحديثة على الآلية التالية، منها تُسجل مكاتب الأحزاب شركات رسمية "وهمية" لا تملك معدات أو كوادر، تنحصر مهمتها في الفوز بالعقود الحكومية بفضل النفوذ السياسي. مع تدخل هذه الشركة الوسيطة في مفاوضات مع شركات تنفيذية حقيقية متخصصة، لبيع العقد لها مقابل التنازل عن نسبة من الأرباح المتوقعة.

ولا تُستقطع النسبة من القيمة الإجمالية للعقد، بل من الفارق بين الكلفة التخمينية والقيمة الفعلية للعرض. على سبيل المثال، إذا كانت الكلفة المقدرة 6 ملايين دولار وقدمت الشركة المنفذة عرضاً بقيمة 16 مليوناً، يجري تقاسم هامش الربح (10 ملايين دولار) بنسب متفق عليها تصل أحياناً إلى 35% لصالح المكتب الاقتصادي.

ويشير محققون سابقون إلى أن الصعوبة القانونية تكمن في أن الأوراق والتعاقدات تبدو "أصولية وسليمة قانونياً" دون وجود توقيعات مباشرة تدين قادة المكاتب الاقتصادية، مما يضع القضاء أمام حاجة متزايدة لخبراء ماليين لتفكيك رموز الكلف التخمينية للمشاريع.

صراع النفوذ وتعدد المستويات

تظهر الهيكلية الحالية لإدارة العقود وجود مستويين من التكسب، يضم قادة الأحزاب والمكاتب الاقتصادية الكبرى التي تحتكر توقيع العقود السيادية الضخمة. ينشأ من شعور بعض المسؤولين التنفيذيين (كالوزراء أو وكلاء الوزارات) بأنهم لا يحصلون على حصة كافية رغم توقيعهم على المعاملات. هذا المستوى يُنتج شبكات فرعية من الوسطاء والمصرفيين والمقاولين الصغار الذين يتدخلون في مرحلة "التنفيذ" لفرض عمولات إضافية (تتراوح بين 1% إلى 2% أو مبالغ مقطوعة بمليارات الدنانير) لضمان تمرير صرف المستحقات وتسيير العمل.

وفي هذا المشهد المعقد، يمثل عدنان الجميلي نموذجاً للشخصيات التي بدأت كحلقة فرعية في المستوى الأول، لكنها سرعان ما تحولت إلى محرك أساسي لإنتاج وتغذية شبكات فرعية في المستوى الثاني، قبل أن تنتهي جولته بـ"دفتر أزرق" بات الآن في عهدة القضاء العراقي لتفكيك خيوط هذه الشبكة الممتدة.

المصدر: جريدة الشرق الاوسط اللندنية