بين الردع والسيادة.. غارات واشنطن والرياض تشعل الساحة السياسية والميدانية في العراق
أربيل (كوردستان24)- شهدت الساحة العراقيّة والإقليمية تطوراً ميدانياً خطيراً إثر الإعلان عن تنفيذ سلسلة غارات جوية تنسيقية استهدفت مواقع لوجستية ومستودعات أسلحة تابعة لفصائل مسلحة ضمن "الحشد الشعبي". وأوضحت البيانات الصادرة عن القيادة المركزية الأمريكية ووزارة الدفاع السعودية أن هذه الضربات شملت أهدافاً عسكرية توزعت بين بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك، وسط تحليق مكثف للطيران الحربي في أجواء المناطق المستهدفة.
وفي تفاصيل الدوافع الميدانية، أكد الجانبان الأمريكي والسعودي أن العملية جاءت كـ"رد مباشر وحاسم" على تصاعد الهجمات عبر الحدود، ولا سيما إطلاق أكثر من ثلاثين طائرة مسيّرة خلال الأيام الثلاثة الماضية باتجاه منشآت النفط والطاقة في المنطقة، فضلاً عن مواقع تتواجد فيها القوات الأمريكية. وتركزت الضربات على تحييد القدرات الهجومية ومخازن الذخيرة التي أظهرت التحقيقات الأولية ارتباطها بالتصعيد الأخير.
وقال عبد الرحمن الجزائري رئيس الهيئة الادارية للتيار الوطني لكوردستان24، أن استهداف الحشد الشعبي يمثل تجاوزاً خطيراً للسيادة الوطنية وجريمة تعكس رغبة واشنطن في إرسال رسائل سياسية عبر التصعيد الميداني، مؤكداً أن الرد يجب أن يبدأ بمسار دبلوماسي حازم، مع الإشارة إلى احتمال تأجيل زيارة رئيس الوزراء نتيجة هذه التوترات وحالة الانزعاج الرسمي من الاعتداءات.
كما انتقد الجزائري السياسة السعودية تجاه العراق، كاشفاً عن معلومات تفيد بإخلاء مقر السفارة السعودية ونقل طاقمها إلى موقع أكثر أماناً داخل المنطقة الخضراء تحسباً لأي ردود فعل عسكرية، وفي الوقت ذاته، شدد على استحالة حصر السلاح بيد الدولة ما دام الوجود العسكري الأمريكي مستمراً، معتبراً أن فصائل المقاومة تمتلك مبرراً شرعياً للاحتفاظ بسلاحها النوعي للدفاع عن السيادة.
واختتم حديثه بضرورة حماية مؤسسة الحشد الشعبي وتوحيد الخطاب السياسي والعسكري لمواجهة التدخلات الخارجية التي تستهدف وحدة البلاد وكرامة مواطنيها.
من جانبه، قال المحلل السياسي السعودي عشق بن سعيدان لكوردستان24، أن التحركات والردود الراهنة لا تستهدف الدولة العراقية أو شعبها، بل موجهة حصراً ضد الميليشيات الإرهابية التي تعمل كأدوات لتنفيذ مشاريع الحرس الثوري الإيراني. وأوضح أن هذه الكيانات تفتقر للقرار السيادي وتأتمر بأمر "الولي الفقيه" لتنفيذ أجندات تخريبية، مشبهاً دورها في العراق بدور الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان في استهداف دول الجوار والداخل العراقي.
ويرى بن سعيدان أن الهجمات الأخيرة بالمسيرات والصواريخ تسعى لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية، أبرزها إحراج رئيس الوزراء العراقي وعرقلة جهوده في بناء توازن إقليمي. كما تهدف هذه التحركات إلى تقويض الاتفاقيات المشتركة بين بغداد والدول المجاورة والقوى الدولية، في محاولة لفرض هيمنة السلاح ومنع العراق من استعادة سيادته الكاملة.
وفي سياق تعزيز الاستقرار، أشار المحلل إلى وجود توافق كبير بين الرياض وبغداد، مدعوم دولياً، حول ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وكبح جماح الفصائل المسلحة. واختتم بتفنيد شعارات "المقاومة" التي ترفعها تلك الميليشيات، معتبراً أن توجيه أسلحتها نحو الأشقاء العرب وإقليم كوردستان بدلاً من تل أبيب يكشف زيف ادعاءاتها، ويؤكد أنها مجرد أدوات بيد النظام الإيراني للتلاعب بقضايا المنطقة.
على الصعيد الميداني، أفادت مديرية الإعلام في هيئة الحشد الشعبي برصد خسائر بشرية ومادية جراء القصف، حيث أسفرت الضربات عن سقوط عشرات القتلى والجرحى بين منتسبي المقرات المستهدفة، إضافة إلى تدمير أجزاء واسعة من البنى التحتية والآليات والمستودعات. وتستمر الفرق الطبية والإغاثية في تمشيط المواقع المتضررة لرفع الأنقاض وإحصاء الأضرار النهائية.
بدوره أكد البروفيسور القطري وأستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر الدكتور علي عبد الله الهيل لكوردستان24، أن الهجمات التي استهدفت السعودية وانطلقت من العراق "رغم تبني الحوثيين لها" تأتي في إطار محاولات أذرع إيران لجر المملكة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وأوضح الهيل، أن توقيت هذا التصعيد يهدف بشكل مباشر إلى تخريب زيارة رئيس الوزراء العراقي للرياض وتقويض مخرجاتها السياسية. كما أشار إلى أن هذه الهجمات تسعى لتعطيل مشاريع استراتيجية كبرى، وفي مقدمتها مشروع "طريق التنمية" الذي يربط قطر والسعودية ودول الخليج، لضمان استمرار حالة التوتر في المنطقة.
وعلى المستوى السياسي والترتيبات الأمنية، دفع هذا التطور الميداني الحرج رئيس الوزراء العراقي إلى الدعوة لعقد اجتماع طارئ للمجلس الوزاري للأمن الوطني، للوقوف على تداعيات الضربات واحتواء التداعيات على السيادة الوطنية والأمن الداخلي. وتتجه الجهات المختصة لمتابعة إجراءات التحقيق وتقييم الموقف السياسي والأمني، وسط تحذيرات دولية وإقليمية من انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع نطاقاً.
وأكد المحلل السياسي العراقي محمد الساعدي لكوردستان24، رفض العراق القاطع لأي اعتداءات على أراضيه تحت أي مبرر، مشدداً على أن السيادة العراقية خط أحمر لا يمكن تجاوزه، سواء كان ذلك بتعاون إقليمي أو بدعم أمريكي.
ودعا المملكة العربية السعودية لتقديم وثائق وأدلة حقيقية إلى الأمم المتحدة والجهات الدولية لإثبات شكواها ضد العراق، بدلاً من الاعتماد على ادعاءات تفتقر للمستندات المادية والوقائع على الأرض.
واعتبر الساعدي أن الهجمات التي طالت معسكرات الحشد الشعبي في محافظات عدة (مثل كركوك والأنبار والبصرة) تمثل تصعيداً خطيراً، لكون الحشد جزءاً رسمياً من المنظومة العسكرية للدولة وتحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة.
واقترح الساعدي تشكيل لجان استخباراتية مشتركة بين العراق والسعودية لمعالجة المخاوف الأمنية عبر الحوار والشفافية والقنوات الرسمية، كبديل وحيد لتجنيب المنطقة مخاطر التصعيد العسكري.
تُشكل هذه الضربات الجوية المشتركة تحولاً مفصلياً في قواعد اشتباك المنطقة، حيث تتجاوز حدود رد الفعل التكتيكي المباشر لتسلط الضوء على بداية مرحلة جديدة من إعادة رسم حدود الردع الإقليمي. فمشاركة سلاح الجو السعودي إلى جانب القوات الأمريكية في استهداف مقرات الحشد الشعبي تعكس تحولاً استراتيجياً في مقاربة الرياض وواشنطن للأمن الإقليمي، محولة الاستراتيجية من الدفاع السلبي وحماية المنشآت الحيوية إلى الردع الهجومي المباشر في العمق الذي تنطلق منه التهديدات.
وعلى الجانب العراقي، تضع هذه التطورات الدولة ومؤسساتها الأمنية أمام اختبار سيادي وسياسي بالغ الدقة والتعقيد. فمن جهة، تجد الحكومة العراقية نفسها محاصرة بين ضغوط الحفاظ على سيادتها الوطنية ورفض جعل أراضيها ساحة لتصفية الحسابات أو منطلقاً للهجمات العابرة للحدود، ومن جهة أخرى، أمام تحدي إدارة التوازنات الداخلية المعقدة وضبط الفصائل المسلحة التي باتت أهدافاً مباشرة لتحالف إقليمي ودولي مُصمم على تقويض قدراتها العسكرية والهجومية.
ختاماً، يُنذر هذا التصعيد بدخول المشهد الإقليمي مرحلة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث يتوقف المسار المستقبلي للأزمة على قدرة بغداد على اتخاذ خطوات أمنية وسياسية جادة لاحتواء الموقف، وإلا فإن المنطقة قد تنزلق نحو دورة جديدة وممتدة من الفعل ورد الفعل، تُعيد رسم خارطة التحالفات والتهديدات، وتضع استقرار الطاقة والأمن الإقليمي برمته على المحك.