مرور 43 عاماً على أنفال البارزانيين

أربيل (كوردستان24)- بدأت عمليات "الأنفال" التي استهدفت الكرد في النصف الثاني من القرن الماضي بسلسلة من الجرائم المنظمة ضد البارزانيين، حيث اتبع النظام السابق استراتيجية القمع المتسلسل والتهجير القسري قبل الانتقال إلى التصفية الجسدية الشاملة التي طالت أكثر من 8 آلاف إنسان.

لم تكن عمليات الأنفال وليدة لحظتها، بل سبقتها خطوات تمهيدية بدأت في سبعينيات القرن العشرين، حيث جرى تهجير البارزانيين قسراً إلى جنوب العراق. وفي عام 1978، نُقل قسم كبير منهم من مناطق سكناهم الأصلية إلى مجمعات قسرية في (ديانا، حرير، بحركة، وكورتو) بمحافظة أربيل، حيث وُضعوا تحت مراقبة أمنية وعسكرية مشددة، وكان الهدف الفعلي من هذا التجميع هو التحضير للمرحلة اللاحقة المتمثلة في الإبادة.

وفي عام 1980، استُكملت هذه الخطة بنقل أعداد أخرى إلى مجمع "قوشتة بة" القسري، وتوزيعهم على مجمعي "القدس" و"القادسية" تمهيداً لتصفيتهم.

وفقاً للوثائق الرسمية التابعة لنظام البعث، شهدت نهاية تموز وبداية آب من عام 1983 تحركاً عسكرياً واسعاً؛ حيث قامت قوة ضخمة مكونة من مديرية أمن أربيل، وأفواج الطوارئ، وقوات الحرس الجمهوري، بفرض حصار سري ومطبق على المجمعات القسرية، ونفذت عمليات الاعتقال عبر ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى (31 تموز 1983): استهدفت البارزانيين الساكنين في مجمعي "القدس" و"القادسية" بمنطقة قوشتة بة.
المرحلة الثانية (10 آب 1983): شملت مجمعات حرير، ديانا، بحركة، وقرى ميركة سور.
المرحلة الثالثة (1 تشرين الأول 1983): جرت خلالها عمليات تفتيش دقيقة ومنزلية في المجمعات لاعتقال من تمكن من النجاة في المراحل السابقة.

وتؤكد الوثيقة الرسمية الصادرة عن مديرية الأمن العامة بالرقم (84) والمؤرخة في 29 آذار 1989، والموجهة إلى سكرتارية رئاسة الجمهورية، الحقائق المروعة لهذه الجريمة. وتكشف الوثيقة أنه بناءً على طلب مدير الأمن العام "د. فاضل البراك"، قامت قوات الحرس الجمهوري في صباح 1 آب 1983 بمحاصرة مجمعي "القدس والقادسية"، واعتقال كافة الرجال البارزانيين الذين تجاوزت أعمارهم 15 عاماً، ونقلهم بشاحنات كبيرة إلى بغداد.

كما تشير الوثيقة ذاتها إلى إعدام 403 مواطنين بارزانيين في مجمع "حرير" بتهمة التواصل مع "البيشمركة". أما المعتقلون من مجمعات ديانا وبحركة وميركة سور، فقد نُقلوا إلى سجن "أبو غريب" وسُلموا لقوات مشتركة من أمن بغداد والأمن العام، حيث نُفذ حكم الإعدام بحق 667 شخصاً منهم تحت مسميات "16 جريمة مختلفة"، مع توجيهات صارمة بعدم تزويد عوائلهم بأي معلومات عن مصيرهم.

ومن بين 8 آلاف مغيب، عُثر على مقابر جماعية لبعض الضحايا في صحراء "بوصية" بجنوب العراق. وحتى الآن، جرى استعادة رفات الضحايا على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: 512 رفات في 16 تشرين الأول 2005.
المرحلة الثانية: 93 رفات في 6 آذار 2014.
المرحلة الثالثة: 100 رفات في 30 تموز 2022.

رغم أن المحكمة الجنائية العراقية العليا أصدرت قراراً في عام 2011 يعتبر ما تعرض له البارزانيون "جينيوسايد" (إبادة جماعية)، إلا أن هذا القرار لم يُصادق عليه رسمياً حتى الآن من قبل مجلس النواب العراقي والحكومة الاتحادية. هذا التأخير في الاعتراف الرسمي والتشريعي حال دون تعويض ذوي الضحايا مادياً ومعنوياً، ليبقى هذا الملف مفتوحاً بانتظار تحقيق العدالة الكاملة.