بحر قزوين: جبهة جديدة للصراع بين طهران وموسكو وكييف وتحولات استراتيجية في ممر الطاقة العالمي

أربيل (كوردستان 24)- دخل بحر قزوين، أكبر مسطح مائي داخلي في العالم، دائرة الصراع المتصاعد بين طهران وخصومها، ليتحول من ممر تجاري استراتيجي إلى ساحة مواجهة عسكرية مباشرة، عقب ضربات أوكرانية استهدفت سفناً روسية قادمة من الموانئ الإيرانية، مما يمثل تحولاً جوهرياً في جغرافيا النزاع الممتد من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط.

وأعلنت أوكرانيا الأسبوع الماضي، أن طائراتها المسيرة تمكنت من إصابة سفينتين روسيتين كانتا تحملان شحنات عسكرية في مياه بحر قزوين. وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الأهداف شملت سفناً متورطة بشكل مباشر في نقل عتاد عسكري من إيران، بالإضافة إلى زورق صواريخ تابع للبحرية الروسية. في المقابل، أفادت طهران بتعرض إحدى سفنها التجارية، التي كانت تنقل شحنة من الحديد من ميناء أستراخان الروسي إلى ميناء أنزلي الإيراني، لهجوم أدى إلى مقتل بحار وإصابة ثلاثة آخرين.

ووصف محافظ المنطقة الإيرانية، هادي حق شناس، المسار الملاحي بين الموانئ الروسية والإيرانية بأنه "ممر آمن وموثوق للتبادل التجاري"، منتقداً استهدافه. فيما تصاعدت حدة النبرة الدبلوماسية مع تحذير المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، من أن ما وصفه بـ "المغامرة الأوكرانية الخطيرة" لن تمر دون رد، بالتزامن مع استدعاء القائم بالأعمال الأوكراني في طهران للاحتجاج على الحادثة.

وتعكس هذه التطورات الأهمية المتزايدة لبحر قزوين، الذي تتقاسم حدوده خمس دول، في ظل الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية في الخليج وبحر عُمان. ويرى خبراء استراتيجيون أن بحر قزوين بات يمثل رئة حيوية لاقتصاد طهران، حيث يتيح لها تنويع استراتيجياتها التجارية، خاصة مع روسيا ودول القوقاز وآسيا الوسطى وصولاً إلى الصين، بعيداً عن مراقبة القوات البحرية الغربية.

 

وعلى الصعيد العسكري، تحول البحر إلى شريان سري لنقل التكنولوجيا العسكرية والأسلحة بين طهران وموسكو. وتشير التقارير إلى أن روسيا تلقت الدفعات الأولى من طائرات "شاهد" الانتحارية عبر هذا المسار، قبل أن تبدأ بإنتاج نسخ محلية منها. كما رصدت وكالات استخباراتية سفناً روسية، مثل "بورت أوليا 3"، يُشتبه في نقلها لصواريخ باليستية قصيرة المدى من طراز "فتح-360" لاستخدامها في الحرب الأوكرانية، وهو ما تصفه واشنطن بأنه "تصعيد دراماتيكي" في مستوى التعاون العسكري بين الطرفين.

وتكمن القيمة الاستراتيجية لهذا المسار في كونه بحراً مغلقاً، مما يجعله محصناً ضد العقوبات الدولية التقليدية وصعب المراقبة من قبل الأساطيل الغربية. وتعتمد روسيا عليه بشكل مكثف لتأمين وصول الحبوب والصلب، بينما ترى فيه طهران مكملاً استراتيجياً لمنافذها الجنوبية، وبوابة لربط تجارتها براً بالسكك الحديدية الصينية والأوروبية.

من جانبها، تسعى أوكرانيا من خلال هذه الضربات بعيدة المدى إلى تحقيق أهداف متعددة؛ أولها تعطيل سلاسل التوريد العسكرية التي تغذي آلة الحرب الروسية، وثانيها إرسال رسالة سياسية قوية تزامناً مع زيارة زيلينسكي لواشنطن ولقائه بالرئيس دونالد ترامب. وتهدف كييف إلى التأكيد على أن إيران تلعب دوراً محورياً في دعم موسكو، تماماً كما تفعل كوريا الشمالية، وأن التهديدات التي تواجهها أوكرانيا في بحر قزوين ترتبط بشكل عضوي بالتهديدات التي تواجهها المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

وتشير التقديرات الأوكرانية إلى أن روسيا تزود طهران ببيانات أقمار صناعية لتنفيذ هجمات ضد منشآت أميركية، مما يجعل الجبهتين الأوكرانية والشرق أوسطية جبهة واحدة في نظر كييف. ومع استمرار التصعيد، يبرز بحر قزوين كأحد أكثر المناطق حساسية في الصراع الدولي الراهن، حيث تتداخل فيه مصالح الطاقة، والأمن القومي، والتحالفات العسكرية العابرة للقارات، مما يجعله ساحة مرشحة لمزيد من المواجهات في المستقبل القريب.

المصدر: شبکة سي ان ان الاخباریة