حرب الاستنزاف: صراع الصواريخ والناقلات يضع الاقتصاد العالمي في عين العاصفة
هرمز على فوهة بركان.. التصعيد يبلغ ذروته بين واشنطن وطهران
أربيل (كوردستان24)- عادت الولايات المتحدة وإيران إلى أجواء المواجهة العسكرية المباشرة اليوم الأربعاء، في أعقاب أكبر تبادل لإطلاق النار بين الطرفين منذ أسابيع. وشهدت الساعات الماضية تحولاً دراماتيكياً في قواعد الاشتباك بعد إعلان واشنطن تبني عقيدة عسكرية جديدة تُعرف بـ "ناقلة مقابل ناقلة"، وسط تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين في إيران وهجمات طالت قواعد أمريكية في أربع دول إقليمية.
استراتيجية أمريكية جديدة
أفادت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بأنها نفذت ضربات واسعة النطاق شملت نحو 100 هدف عسكري تابع للحرس الثوري الإيراني. وشملت الأهداف منظومات دفاع جوي، ورادارات، ومنشآت بحرية، وقدرات لزرع الألغام.
وفي تحول استراتيجي لافت، أكد مسؤولون أمريكيون أن الرئيس دونالد ترامب وافق رسمياً على سياسة "ناقلة مقابل ناقلة"، والتي تقضي باستهداف ناقلة نفط إيرانية مقابل كل سفينة تجارية تتعرض لهجوم في الممرات الدولية. وبالفعل، قصفت طائرات مسيرة أمريكية غرف المحركات لناقلتي نفط إيرانيتين قبالة السواحل الإيرانية، رداً على تهديدات طهران للملاحة في مضيق هرمز.
من جانبه، صرح وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، بأن القوات الأمريكية دمرت محطات رادار استراتيجية، محذراً طهران من "منزلق خطير"، ومؤكداً أن واشنطن عازمة على تجفيف كافة منابع تمويل النظام الإيراني الذي وصفه بأنه يعيش حالة من "الانهيار الاقتصادي المتسارع".
إيران ترد في أربع دول
في المقابل، شن الحرس الثوري الإيراني هجمات صاروخية وبالطائرات المسيرة استهدفت أصولاً أمريكية في الكويت، والأردن، والبحرين، والعراق.
في الكويت: أعلن الحرس الثوري استهداف قاعدة "علي السالم" الجوية ومقر إقامة القائد الأمريكي. وأفادت فرق الإطفاء الكويتية بإخماد حريق في مجمع سكني بالعاصمة فجر اليوم ناتج عن طائرة مسيرة إيرانية، دون وقوع إصابات.
في العراق: ذكرت طهران أنها استهدفت قواعد أمريكية في أربيل، بينما أعلنت مؤسسة مكافحة الإرهاب في إقليم كوردستان عن اعتراض وتدمير 10 طائرات مسيرة "مفخخة" فجر اليوم.
في الأردن والبحرين: تصدت الدفاعات الجوية الأردنية لـ 13 صاروخاً باليستياً، اعترضت 10 منها، بينما أعلنت البحرين تدمير مسيرات إيرانية في أجوائها.
مآسي مدنية وغضب سياسي في طهران
أثارت الهجمات الأخيرة موجة غضب عارمة في طهران، حيث اتهمت السلطات الإيرانية واشنطن بارتكاب "مجازر" بحق المدنيين. وأفادت جمعية الهلال الأحمر الإيراني بمقتل 5 أشخاص، بينهم طفل، وإصابة نحو 68 آخرين في قصف استهدف حفل زفاف قرب منطقة "سيريك" الساحلية.
وشن رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، هجوماً لاذعاً عبر منصة "إكس"، واصفاً الولايات المتحدة بـ "الشيطان الأكبر"، ومعدداً مواقع استهداف مدنية شملت مدرسة في ميناب وصالة رياضية في لامرد وحفل زفاف في كوهستك، متوعداً برد حاسم. كما اعترف الحرس الثوري بمقتل أربعة من عناصره في ضربات أمريكية استهدفت مواقع في غرب إيران.
النفط يشتعل والأسواق العالمية تترنح
انعكست أجواء الحرب مباشرة على الاقتصاد العالمي؛ حيث قفزت أسعار النفط لتتداول قرب 96 دولاراً لبرميل "برنت"، وهو أعلى مستوى في خمسة أسابيع، وسط مخاوف من إغلاق مطول لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمي.
وتراجعت الأسهم الآسيوية، فيما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات، مما أثار قلق المستثمرين من تداعيات هذا الصراع على الانتخابات الأمريكية المقررة في نوفمبر المقبل، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود.
وساطة قطرية محبطة وتحذيرات إقليمية
دخلت قطر، التي قادت وساطة سابقة، على خط الأزمة ببيان شديد اللهجة حملت فيه "الجمهورية الإسلامية الإيرانية المسؤولية القانونية الكاملة عن هذه الاعتداءات"، مشيرة إلى أن هذه الهجمات تعقد جهود احتواء التوتر.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد ينهي حالة الجمود التي استمرت منذ يوليو الماضي، مؤكدين أن الصراع بات يستنزف الطرفين؛ فبينما ينهار الاقتصاد الإيراني، تثار مخاوف في واشنطن بشأن استنزاف مخزون الصواريخ الدقيقة والجاهزية العسكرية لمواجهات مستقبلية طويلة الأمد.
"حافة الهاوية" وصراع الإرادات المنهكة
يؤشر التصعيد العسكري الأخير بين واشنطن وطهران إلى دخول الصراع مرحلة "تكسير العظام"، حيث انتقل الطرفان من حروب الوكالة والمناوشات المحدودة إلى مواجهة مباشرة مفتوحة تحكمها قواعد اشتباك جديدة وأكثر خطورة.
ويمكن استعراض أبعاد هذا التحول في النقاط التالية:
عقيدة "ناقلة مقابل ناقلة": تمثل هذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تحولاً من "الدفاع السلبي" عن الملاحة إلى "الهجوم الانتقامي المباشر". واشنطن تسعى لإفهام طهران أن تكلفة عرقلة الملاحة في مضيق هرمز ستُدفع من شريان الحياة الاقتصادي الإيراني المتبقي (النفط)، مما يضع ممرات الطاقة العالمية في عين العاصفة.
استراتيجية "توسيع الساحة" الإيرانية: رد طهران باستهداف قواعد أمريكية في أربع دول إقليمية (الأردن، الكويت، البحرين، العراق) يعكس رغبة إيرانية في تحويل الصراع إلى "أزمة إقليمية شاملة". تهدف إيران من ذلك إلى الضغط على حلفاء واشنطن في المنطقة لدفعهم نحو تهدئة الإدارة الأمريكية، فضلاً عن إرسال رسالة مفادها أن الأمن الإقليمي وحدة لا تتجزأ.
الاقتصاد كساحة معركة رئيسية: يبدو أن "الاستنزاف" هو السمة الغالبة؛ فإيران تواجه انهياراً اقتصادياً متسارعاً قد يهدد استقرارها الداخلي، بينما يواجه الرئيس ترامب ضغوطاً داخلية مع اقتراب الانتخابات، حيث تهدد أسعار النفط المرتفعة وتناقص مخزون الصواريخ الدقيقة "الاستقرار الانتخابي" الذي يسعى للحفاظ عليه.
المأزق الإنساني والسياسي: سقوط ضحايا مدنيين في الجانب الإيراني (كما في حادثة حفل الزفاف ومدرسة ميناب) يمنح طهران مادة دعائية قوية لتعبئة الرأي العام الداخلي وتصوير النزاع كحرب "وجودية" ضد "شيطان" خارجي، مما يقلص فرص العودة السريعة لطاولة المفاوضات.
ختاماً، تجد المنطقة نفسها اليوم أمام سيناريوهين لا ثالث لهما: إما أن تؤدي "دبلوماسية الرعب" والضربات المتبادلة إلى قناعة لدى الطرفين بضرورة الجلوس لاتفاق جديد بشروط قاسية، أو أن ينزلق الطرفان – ربما بسبب خطأ في التقدير أو ضربة غير مقصودة لمدنيين – إلى مواجهة شاملة لن تتوقف عند حدود مضيق هرمز، بل ستمتد آثارها لتهز أركان الاقتصاد العالمي المترنح أصلاً. السؤال الآن لم يعد "هل ستقع المواجهة؟"، بل "إلى أي مدى يمكن ضبط إيقاع هذه المواجهة قبل أن تخرج عن السيطرة؟".