على وقع التغاريد وشغفٍ متوارث.. أسواق الطيور في كوردستان: من ثقافة "الإنتاج" إلى "الجمال" والرأفة
أربيل (كوردستان 24)- تستيقظ أرجاء هذا السوق الشعبي صباح كل يوم جمعة على مزيج متناغم من هديل وتغاريد أصناف متنوعة من الطيور المحلية والوافدة من شتى أنحاء العالم؛ فمع إطلالة الفجر، يقود الشغف وحب الكائنات رواد المكان إلى هنا، ومن بينهم من خطّ الشيب شعره ولحيته وهو يفني سنوات عمره في تربيتها ورعايتها.
ويتحول السوق الأسبوعي مع ساعات الصباح الأولى إلى ملتقى تفاعلي نابض بالحياة؛ لا تقتصر غايته على البيع والشراء فحسب، بل يمثل فضاءً يجمع أجيالاً مختلفة يربطها شغف مشترك برعاية الطيور والحيوانات الأليفة.
عشق الطفولة الذي لا ينقطع
ين الجموع، يقف المواطن رسول فارس ممسكاً بطيوره بعناية فائقة، مسترجعاً رحلة عشق بدأت معه منذ عقود طويلة.
ويقول فارس في حديثه لـ كوردستان 24:
"منذ نعومة أظفاري وأنا أربي الطيور ومختلف أنواع الحيوانات؛ من الدجاج والأبقار والماعز، وصولاً إلى طائر الحجل الجبلي. إنها جزء لا يتجزأ من حياتي، ولو انقطعتُ عن تربيتها لأصابني المرض.. لذا أعتقد جازماً أن كل من يقتني هذه الكائنات البريئة يقع على عاتقه واجب أخلاقي بمنحها كل الرعاية والاهتمام".
متاجر متخصصة وإرشاد للهواة الجدد
وإلى جانب هذا التجمع الأسبوعي المفتوح، تنشط على مدار الأسبوع محال تجارية متخصصة في بيع أسماك الزينة، والسناجب، والقطط، والطيور النادرة؛ حيث تشهد حركة تداول يومية متنامية تلبي شغف هواة التربية المنزلية.
ويوضح الناشط والمهتم برعاية الحيوانات، هَژار مولود، أن تربية هذه الكائنات تتطلب وعياً ومعرفة مسبقة، مضيفاً:
"يتوافد إلينا المواطنون يومياً لشراء الطيور والحيوانات ومستلزماتها. ورسالتي الدائمة لكل من يفتقر إلى الخبرة الكافية في كيفية التعامل معها، هي التواصل معنا لنرشده خطوة بخطوة حول أساليب التغذية والرعاية الصحية وحمايتها من الأذى، وإن تعذر عليه الاستمرار في رعايتها لسبب ما، فإن أبوابنا مفتوحة لاستعادتها وضمان سلامتها".
اليوم العالمي للحيوان.. دعوة للرفق والمسؤولية
وتكتسب هذه الأسواق زخماً إضافياً بالتزامن مع حلول "اليوم العالمي للحيوان"، الذي يصادف الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام؛ وهو مناسبة دولية تهدف إلى التوعية بحقوق الحيوانات، ومناهضة كافة أشكال العنف والإهمال ضدها، وتعزيز ثقافة الرفق بالكائنات الحية داخل المجتمعات.
تحول ثقافي: من النفعية الاقتصادية إلى المتعة البصرية
وإذا كانت تربية الحيوانات والدواجن في بيئة كوردستان قد ارتبطت تاريخياً بالدوافع النفعية والإنتاجية—كتأمين اللحوم والألبان والبيض في القرى والأرياف—فإن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً ملحوظاً في المزاج الاجتماعي للمدن؛ حيث أقبل المواطنون بشكل متزايد على اقتناء طيور الزينة والحيوانات الأليفة لإضفاء لمسة جمالية على منازلهم، والترويح عن النفس بأصواتها العذبة.
ويبقى هذا التحول مرآةً لتعاظم الحس الإنساني والبيئي، ليظل صون هذه الأرواح الضعيفة ورعايتها مرهوناً—أولاً وأخيراً—بضمير الإنسان وإحساسه الفطري بالمسؤولية تجاه ما يحيط به من كائنات.
تقرير: بكر سليمان – كوردستان24 – سوران