موقع أثري في أربيل يكشف أسرار ستة آلاف سنة

أربيل (كوردستان 24)- قال مدير آثار وتراث أربيل نادر بابكر، اليوم الأربعاء 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إن موقع تل مطراب الأثري في سهل أربيل يعد من أهم المراكز التاريخية التي تضم فترة استيطان من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد حتى العصر السلوقي والأشكاني، مؤكدًا أن اکتشاف هذا الموقع تغير فهم تنظيم المجتمع والحضارة في شمال بلاد ما بين النهرين وكوردستان.

وأوضح بابكر أن مساحة تل مطراب تبلغ نحو 20 هكتارًا، وتحتوي على أدلة على ثراء الحياة البشرية بدءًا من العبيد وأواخر الكالكوليتيك حتى العصر السلوقي والأشكاني.

وأشار إلى أن أهمية أعمالهم تكمن في أنها توثق الحياة اليومية وتنظيم الاستيطان والأنشطة الاقتصادية على مدى آلاف السنين، بحيث تركز بدلًا من الاقتصار على الملوك والإمبراطوريات، على دراسة المجتمعات التي صنعت عمليًا تاريخ كوردستان القديمة.

اكتشافات رئيسية في ثلاثة أقسام

أوضح مدير آثار وتراث أربيل أن أبحاثهم بدأت في 2020-2021 بالمسح الأثري، ثم تحولت إلى تنقيب منهجي. ومن أهم الاكتشافات:

في القسم (B): اكتُشفت بلدة من أواخر الكالكوليتيك (نحو 4000 سنة قبل الميلاد)، تضم مبانٍ سكنية ومخازن وفرنًا كبيرًا وأختامًا إدارية وقطعًا أثرية عدة، تدل على إنتاج الغذاء والأعمال الصناعية اليدوية.
في القسم (A): اكتُشفت منطقة سكنية كبيرة من العصر الهلنستي (القرنان الثالث والرابع قبل الميلاد) بمساحة نحو 250 مترًا مربعًا، تضم غرفًا وأفنية وفرنًا وأدلة على إنتاج القماش.
في القسم (C): اكتُشف بناء كبير ومجمع معماري من العصر السلوقي، أساساته مبنية بالطابوق، وربما كان مبنى عامًا أو مؤسسيًا مهمًا.
وبخصوص العقبات أمام أعمالهم، ذكر نادر بابكر أن حرارة الصيف الشديدة والطبيعة الهشة للبناء الطيني هما التحديان الرئيسان، لكنهم يحفظون الهياكل للأجيال القادمة عبر التوثيق الرقمي الدقيق والتغطية الواقية والتقنيات الحديثة.

وأعلن أنهم سيواصلون الأبحاث في السنوات الثلاث المقبلة، وسيستفيدون بدلًا من الحفر العشوائي من تقنيات متقدمة مثل: الرادار الأرضي (GPR)، والمغناطيسي، ورسم الخرائط بالطائرات المسيرة (درون)، والتحليل البيئي، لتحديد الشوارع والمباني تحت الأرض دون إتلافها.

وبشأن مصير الاكتشافات، أكد نادر بابكر: "لا تُنقل أي قطعة أو أداة سليمة خارج البلاد، بل تُفهرس جميعها بالتعاون مع فريق آثار أربيل وتُحفظ في متحف أربيل. ولهذا الغرض أُنشئ مخزن متقدم للحفظ داخل المتحف، ولا تُرسل إلا بعض النماذج مثل العظام والفحم إلى مختبرات دولية لغرض التحليل العلمي".

وأشار إلى الدعم المستمر لحكومة إقليم كوردستان في تسهيل مهام الفرق، وأوضح أن المشروع فرصة مهمة لتدريب جيل جديد من علماء الآثار الكورد الشباب إلى جانب الخبراء الدوليين في مجالات التنقيب ورسم الخرائط الرقمية وتحليل الطين والمسح الجيوفيزيائي.

وأكد مدير آثار وتراث أربيل أن تل مطراب يثبت أن كوردستان لم تكن مجرد هامش في تاريخ بلاد ما بين النهرين القديمة، بل كانت مركزًا حيًا للإبداع والحضارة، وربطت وادي دجلة وسلسلة جبال زاغروس ببعضهما.

من جانبها، أعلنت المديرية العامة للآثار والتراث في إقليم كوردستان، رسميًا تجديد مدة العمل التنقيبي في الموقع لجامعة برين ماور (Bryn Mawr) الأمريكية. وُقع القرار من قبل المهندس أوارة كويخا علي، المدير العام للآثار والتراث.

ويستند تجديد العقد إلى القانون رقم (5) لسنة 2021 (قانون الآثار والتراث في إقليم كوردستان)، المادة 17 الفقرة الثالثة، وكذلك إلى عقد الشراكة رقم (211) بين الطرفين. وبموجب القرار، ستواصل الجامعة الأمريكية في 2027 حتى 2029، بالشروط والإجراءات القانونية ذاتها، أعمال المسح والتنقيب الأثري في سهل أربيل.