المخرج السينمائي شوكت أمين كوركي لـ"كوردستان 24": السينما الكوردية لا ينقصها الإبداع بل تحتاج إلى بنية إنتاج وتوزيع قوية
يُعد المخرج السينمائي الكوردي شوكت أمين كوركي أحد أبرز المخرجين المعروفين على المستوى العالمي بأعماله التي تناقش واقعاً يمس أبناء بلده كوردستان العراق، وتقترب من تجاربهم الإنسانية في ظل الحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. وخلال فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي في مصر، التقيناه ليتحدث عن واقع السينما الكوردية، وأعماله السينمائية، ومشاركته في لجنة تحكيم المهرجان، وعلاقته بالسينما العربية والعالمية، فضلاً عن التحديات التي تواجه صناعة السينما في كوردستان، وأسباب محدودية انتشار أفلامها في البلدان العربية.
وفي هذا الحوار الخاص لموقع «كوردستان 24»، تحدث شوكت أمين كوركي بصراحة عن تجربته السينمائية، موضحاً رؤيته لمستقبل السينما الكوردية، ومؤكداً أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بنقص المواهب أو الحكايات، وإنما بضعف البنية التحتية للإنتاج والتوزيع والعرض، والحاجة إلى بناء سوق سينمائية محلية قادرة على احتضان الأفلام وجمهورها.
حدثنا عن مشاركتك في لجنة تحكيم مهرجان الجونة السينمائي. ما المعايير التي تعتمد عليها في تقييم الأفلام؟
قال شوكت أمين كوركي إن مشاركته في لجنة التحكيم تمثل فرصة قيّمة لاكتشاف رؤى جديدة وتجارب سينمائية مختلفة، والتعرف إلى عوالم مخرجين آخرين، موضحاً أن كل فيلم يفتح نافذة على عالم جديد، وأنه يحاول أثناء التحكيم الابتعاد قدر الإمكان عن ذائقته الشخصية وأحكامه المسبقة، وتقييم كل عمل انطلاقاً من منطقه الداخلي ولغته السينمائية الخاصة.
وأضاف أن ما يهمه هو أصالة الرؤية، والإبداع في السرد، والجرأة الفنية، والصدق في التعبير، مؤكداً أن الفيلم الجيد ليس بالضرورة أن يتوافق مع ذائقته الشخصية؛ إذ يستطيع أحياناً فيلم يختلف عنه في أسلوبه أو رؤيته للعالم أن يخلق تجربة عميقة ومؤثرة.
وأوضح أن التحكيم بالنسبة إليه ليس مجرد إصدار أحكام، بل هو قبل كل شيء نوع من اللقاء والحوار مع سينما الآخرين، وفرصة لفهم التجارب المختلفة والانفتاح على أساليب فنية ورؤى إبداعية جديدة.
هل هذه مشاركتك الأولى في مهرجان الجونة؟ وهل سبق أن عُرضت لك أفلام في المهرجان؟
كشف كوركي أن هذه هي مشاركته الأولى في مهرجان الجونة السينمائي، معرباً عن سعادته بهذه التجربة، وقال إنه لطالما اعتبر السينما المصرية واحدة من أهم التجارب السينمائية في المنطقة، لما تمتلكه من تاريخ عريق ترك أثراً عميقاً في الثقافة والذاكرة الجماعية للعالم العربي.
وأضاف أن مهرجان الجونة يوفر فرصة مهمة للتعرف عن قرب إلى السينما العربية والعالمية المعاصرة، والحوار مع المخرجين والنقاد والفنانين من مختلف البلدان.
وشدد على أن المهرجانات السينمائية ليست مجرد أماكن لعرض الأفلام وتوزيع الجوائز، وإنما فضاءات لتبادل الخبرات، واكتشاف المواهب الجديدة، وبناء علاقات ثقافية وإنسانية، بما يسهم في تعزيز التواصل بين السينمائيين من مختلف أنحاء العالم.
تركت أفلامك أثراً كبيراً لدى الجمهور. لماذا تحتل فترة حكم صدام حسين ومعاناة الشعب الكوردي مكانة مهمة في أعمالك السينمائية؟
شرح المخرج الكوردي أن انتماءه إلى جيل عاش جزءاً كبيراً من حياته في ظل الحروب والديكتاتورية والعنف وانعدام الأمان جعل هذه التجارب حاضرة بقوة في ذاكرته، موضحاً أنها ليست مجرد أحداث تاريخية بالنسبة إلى أبناء هذا الجيل، بل أصبحت جزءاً من ذاكرتهم الفردية والجماعية، وما زالت تؤثر في حياتهم ونظرتهم إلى العالم.
وأضاف أنه لم يسعَ يوماً إلى صناعة أفلام تاريخية أو سياسية بالمعنى المباشر، مؤكداً أن ما يشغله هو مصير الإنسان داخل هذه الظروف، وكيف يواجه الخوف والفقدان والأمل والخيارات الصعبة.
وتابع أن التاريخ يتحدث عادة عن الأحداث والتواريخ والأرقام، بينما تستطيع السينما الاقتراب من وجه الإنسان وصمته ووحدته ومشاعره. وأوضح أنه يحاول، من خلال الحكايات الفردية، الوصول إلى تجارب إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والمرحلة التاريخية، بحيث يستطيع الآخرون في أي مكان من العالم التفاعل معها وفهمها.
ما المعاناة التي عاشها الشعب الكوردي خلال حكم صدام حسين؟ وكيف انعكست هذه التجربة في سينماك؟
قال كوركي إن الشعب الكوردي تعرض خلال تلك الفترة لقمع واسع، وتهجير قسري، وتدمير آلاف القرى، وحروب، وإبادة جماعية خلال حملات الأنفال، مشيراً إلى أن آثار هذه المآسي لم تقتصر على الضحايا المباشرين، بل تركت جروحاً عميقة وممتدة في حياة الأجيال اللاحقة، وما زال هذا الماضي حاضراً في ذاكرة المجتمع الكوردي.
وأضاف أن السينما بالنسبة إليه ليست مجرد وسيلة لتصوير المعاناة والمظلومية، بل هي أيضاً محاولة لفهم تعقيدات السلوك الإنساني في الظروف الاستثنائية، حيث يجد الإنسان نفسه أمام خيارات صعبة تتراوح بين الخوف والصمت والمقاومة والبقاء والمسؤولية الأخلاقية.
وأوضح أن سؤالاً أساسياً يشغله في أعماله يتمثل في كيفية تصرف الإنسان في مواجهة العنف والظلم، وكيف يمكن لقرار صغير يبدو عادياً في ظاهره أن يغيّر مصير إنسان آخر.
وأكد أن السينما تقترب أكثر من الحقيقة عندما تطرح أسئلة إنسانية وأخلاقية صعبة، بدلاً من تقديم إجابات جاهزة ومبسطة، لأن قوة العمل السينمائي تكمن في قدرته على دفع المشاهد إلى التفكير في الإنسان ودوافعه ومواقفه، حتى في أكثر الظروف قسوة وتعقيداً.
منذ فيلمك «الامتحان» عام 2021، لم نشاهد لك فيلماً جديداً. ما أسباب هذا الغياب؟ وهل تعمل حالياً على مشاريع سينمائية جديدة؟
أوضح كوركي أن إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه السينما المستقلة تتمثل في صعوبة تأمين التمويل والموارد المالية، وهو ما قد يؤدي أحياناً إلى تأجيل إنتاج الفيلم لسنوات طويلة. وأضاف أن المخرج الذي يعمل خارج منظومات الإنتاج السينمائي المستقرة يواجه مساراً طويلاً وشاقاً ومرهقاً في البحث عن التمويل وإقناع الجهات الداعمة بمشروعاته.
وتابع أن الفترات الطويلة بين فيلم وآخر ليست سهلة على المخرج، لأنها تحمل ضغوطاً نفسية ومعنوية ومهنية كبيرة؛ إذ يشعر بأن الوقت يمضي، وأن الأفكار والحكايات تتراكم في ذهنه، لكنه لا يجد الإمكانيات اللازمة لتحويلها إلى أفلام.
وأشار إلى أن الحفاظ على الحافز والثقة بالنفس والطاقة الإبداعية قد يصبح أحياناً أمراً لا يقل صعوبة عن صناعة الفيلم نفسه، لافتاً إلى أن هذه الانقطاعات يمكن أن تؤثر في المسار المهني للمخرج، بل وحتى في علاقته بالعالم من حوله.
ومع ذلك، كشف أنه حاول تحويل هذه الفترة إلى فرصة لإعادة التفكير وتطوير مشروعات جديدة، موضحاً أنه عمل خلال السنوات الماضية على عدة مشروعات سينمائية، يحمل كل منها تجربة مختلفة من حيث الموضوع والبناء السردي واللغة السينمائية.
وأكد أن ما يهمه هو ألا يكون فيلمه القادم مجرد تكرار لأعماله السابقة، بل أن يفتح أفقاً جديداً في تجربته السينمائية.
لماذا لا تزال السينما الكوردية محدودة الانتشار في البلدان العربية، رغم التقارب الجغرافي والثقافي؟
يرى كوركي أن المشكلة الأساسية التي تواجه السينما الكوردية لا تتمثل في نقص المواهب أو الإبداع أو الحكايات، وإنما في ضعف البنية التحتية للإنتاج والتوزيع والعرض، وغياب التواصل المنتظم بين الأسواق السينمائية في المنطقة.
وأضاف أن السينما الكوردية حققت خلال السنوات الماضية حضوراً ملحوظاً في مهرجانات سينمائية عالمية مرموقة، لكن هذه النجاحات لم تتحول بالضرورة إلى فرص عرض واسعة في البلدان المجاورة.
وأكد إيمانه بوجود إمكانيات كبيرة للتعاون بين السينمائيين الكورد والعرب، موضحاً أن الطرفين، إلى جانب القرب الجغرافي، يتشاركان الكثير من التجارب التاريخية والثقافية والاجتماعية، ومع ذلك ما زالت المعرفة المتبادلة بسينما كل منهما محدودة.
وشدد على ضرورة أن تحافظ السينما الكوردية على هويتها الثقافية ولغتها الخاصة، وفي الوقت نفسه تتجاوز حصرها في موضوعات الحرب والسياسة، وتنفتح على مختلف جوانب حياة الإنسان المعاصر.
وأضاف أن الفيلم كلما كان أكثر صدقاً ودقة في التعبير عن تجربته الإنسانية، ازدادت قدرته على التواصل مع الجمهور في مختلف أنحاء العالم، بصرف النظر عن اللغة أو البيئة التي خرج منها.
كيف تقيّم وضع دور العرض السينمائي في كوردستان، وخصوصاً في أربيل والسليمانية؟ وما الذي ينبغي فعله لتطوير السينما هناك؟
أشار كوركي إلى أن إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه السينما في كوردستان هي قلة دور العرض المجهزة وفق المعايير الحديثة، وضعف شبكات التوزيع والعرض، وغياب سياسة ثقافية مستدامة لتطوير القطاع السينمائي.
وأضاف أن الحديث كثيراً ما ينصب على إنتاج الأفلام ونجاحها في المهرجانات الدولية، لكن لا ينبغي إغفال أن السينما، لكي تنمو وتستمر، تحتاج أيضاً إلى سوق محلية نشطة وصناعة سينمائية مستقرة، مؤكداً أن النجاح العالمي للأفلام يكتسب قيمة أكبر عندما تجد هذه الأعمال جمهوراً في بلدها أيضاً.
وأوضح أن تنمية ثقافة مشاهدة الأفلام لا تقل أهمية عن إنتاجها، وأنه يجب إتاحة الفرصة للأجيال الشابة لمشاهدة أفلام متنوعة من السينما العالمية، إلى جانب أعمال المخرجين الكورد، بصورة منتظمة.
وتابع أن قاعة السينما ليست مجرد مكان لعرض الأفلام، بل هي فضاء ثقافي واجتماعي للتجربة الجماعية والحوار وتكوين الذائقة السينمائية.
واختتم حديثه عن هذا الملف بالتأكيد أن تطوير البنية التحتية السينمائية، وإنشاء شبكات منتظمة للتوزيع والعرض، وبناء سوق محلية حيوية، تمثل جميعها ضرورات أساسية لمستقبل السينما في كوردستان.
كانت لك تجربة في تنظيم مهرجان أربيل للأفلام القصيرة. هل تفكر في إعادة إحياء هذا المهرجان؟
قال كوركي إن مهرجانات الأفلام القصيرة تلعب دوراً مهماً في اكتشاف المواهب الشابة ورعايتها، موضحاً أن الفيلم القصير يمنح كثيراً من المخرجين فرصتهم الأولى للتجريب وارتكاب الأخطاء واكتشاف لغتهم السينمائية الخاصة.
وأضاف أنه لا يعتبر الفيلم القصير مجرد مرحلة تمهيدية للوصول إلى الفيلم الروائي الطويل، بل يراه شكلاً فنياً مستقلاً ومهماً من أشكال التعبير السينمائي.
وأكد أنه لطالما آمن بأهمية خلق الفرص للجيل الجديد من السينمائيين، معرباً عن أمله في أن تتوافر الظروف المناسبة لإحياء مثل هذه الأنشطة وتوسيعها، بما يتيح للمواهب الجديدة التعبير عن نفسها، وتطوير تجاربها، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر حيوية للسينما الكوردية.