بيئة بارزان.. حماة الطبيعة يروون عطش الحياة البرية في قمم الجبال
أربيل (كوردستان 24)- يقطع مقاتلو البيشمركة في فوج حماية البيئة، اليوم الأربعاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مسالك وعرة وقمماً جبلية شاهقة في منطقة بارزان، حاملين على ظهور الدواب مواد البناء ومياه الشرب بدلاً من الأسلحة والذخائر، في مسعى متواصل لحماية البيئة وإنقاذ الأحياء البرية من الجفاف والهلاك.
وعلى مدى أكثر من 35 عاماً، يواصل هؤلاء المقاتلون مهامهم بلا انقطاع لحماية الغابات والحيوانات البرية في المنطقة؛ إذ لا تقتصر واجباتهم على الجبهات العسكرية، بل تكرست لخدمة الطبيعة. ومع تفاقم التغيرات المناخية وشح الأمطار الذي تسبب في جفاف الينابيع الجبلية، يعمل حماة البيئة على إيصال المياه إلى بطون الوديان وأعالي الجبال، تجنباً لهبوط الحيوانات إلى المناطق المنخفضة بحثاً عن الشرب، مما يقيها مخاطر التعرض للصيد الجائر أو حوادث السير والغرق في مجاري الأنهار.

ولا تُعد حماية البيئة في بارزان مجرد واجب رسمي، بل تمثل نهجاً متوارثاً يستند إلى فرمان تاريخي أطلقه الشيخ عبد السلام بارزاني قبل أكثر من مئة عام بحظر الصيد وقطع الأشجار، ورسخه لاحقاً الملا مصطفى بارزاني كركيزة وسلوك مجتمعي راسخ تتوارثه الأجيال.
وفي هذا الصدد، قال المتحدث باسم فوج حماية بيئة ميركه سور، صديق حسن، لـ كوردستان 24: "أصبحت حماية الطبيعة في بارزان واجباً روحياً وأخلاقياً وجزءاً من ثقافة الأهالي؛ فالمواطنون هنا يتمتعون بوعي بيئي عالٍ ويتعاونون معنا باستمرار، ويسارعون للتواصل معنا فور العثور على أي طائر أو حيوان مصاب".
وأوضح حسن أنه في إطار مكافحة الجفاف وبمبادرة من مسؤولي المنطقة، جرى تشييد أكثر من 22 حوضاً وخزاناً مائياً في قلب المناطق الوعرة لإرواء الحيوانات. ويقطع عناصر حماية البيئة مسافات شاقة سيراً على الأقدام، ناقلين الإسمنت وحديد التسليح لإنشاء هذه الأحواض، مع مد خطوط أنابيب لسحب المياه إليها من مصادر مائية بعيدة.

من جهته، تطرق المقاتل في فوج البيئة، جنكر علي، إلى أهمية هذه التدابير قائلاً: "مع انحسار مصادر المياه خلال فصلي الصيف والخريف، كانت الحيوانات تضطر للنزول نحو الوديان والطرق العامة، ما كان يعرضها لحوادث الدهس أو الغرق في الأنهر؛ لذا أنشأنا هذه الأحواض وسط التضاريس الجبلية لتأمين المياه قريباً من موائلها الطبيعية وتجنيبها الهلاك".
ووثقت كاميرات المراقبة الميدانية على مدار الساعة توافد قطعان الماعز الجبلي، والوعول، والدببة، والخنازير البرية، فضلاً عن عشرات الفصائل من الطيور النادرة، إلى هذه الخزانات والينابيع للتزود بالمياه.
وتفيد البيانات والإحصاءات الرسمية بأن حظر الصيد وتوفير مصادر الشرب والتزام السكان بالتعليمات البيئية ساهمت في ارتفاع أعداد الحيوانات البرية في منطقة بارزان إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بالأعوام الماضية، مما جعلها ملاذاً آمناً ومحمية طبيعية للأحياء البرية النادرة في كوردستان والمنطقة عموماً.
