"غيبوبة التزاوج".. كيف تحولت شواطئ بحيرة دوكان إلى جنة للصيادين في موسم "الشداو"؟

اربيل (كوردستان24) - تشهد ضفاف بحيرة دوكان هذه الأيام ظاهرة طبيعية فريدة وموسماً استثنائياً للصيد، حيث دخلت أسراب الأسماك في ذروة موسم التزاوج ووضع البيوض. وفي هذه المرحلة، تدخل الأسماك في حالة فسيولوجية تشبه "السُّكر" أو فقدان الإدراك التام بما يحيط بها، مما يجعلها تقترب بكثافة من حواف البحيرة، ليصبح صيدها أمراً بالغ السهولة، لدرجة أنه يمكن الإمساك بها بالأيدي المجردة.

هذه الظاهرة السنوية التي تبلغ ذروتها في أواخر شهر شباط (فبراير)، تُعرف محلياً باسم "صيد الشداو". ورغم سهولة الإيقاع بالأسماك، إلا أن هذا النوع من الصيد يتطلب من الصيادين التحلي بالصبر والمهارة والهدوء؛ حيث يكمنون لساعة أو ساعتين بانتظار تراكم أسراب الأسماك في المياه الضحلة قبل إلقاء شباكهم، في لحظات تُعد الأكثر متعة وإثارة في يومياتهم.

وعن تفاصيل هذا الموسم، يتحدث الصياد علي سعيد واصفاً المشهد: "عندما يحين موسم التكاثر، تندفع أسماك (الشبيط) نحو المياه الضحلة. تبدأ الإناث بوضع بيوضها، لتتبعها الذكور في تجمعات كثيفة ومحمومة تثير اضطراباً واضحاً في حركة المياه".

ويضيف سعيد: "هذا التجمع الكثيف يجعل الصيد وفيراً للغاية في الرمية الواحدة للشبكة. قد نصطاد عشر أو اثنتي عشرة سمكة دفعة واحدة، وربما أقل حسب الحظ. في إحدى المرات، ألقيت شبكتي فاصطدت ست سمكات ضخمة معاً، بلغ وزن الواحدة منها نحو خمسة كيلوغرامات ونصف. إن هذا الوقت من العام يمثل فرصة ذهبية لا تُعوض لنا كصيادين".

الأسماك التي تبحث عن الشقوق والتجاويف المائية لوضع البيوض وتلقيحها، تفقد غريزة الحذر المعتادة. يوضح الصياد تحسين خالد هذا السلوك قائلاً: "تنشط الأسماك بكثرة في الأيام الدافئة، وتلجأ للممرات المائية الضحلة. في البداية تكون بالغة الحذر، لكن بمجرد بدئها بوضع البيوض، تدخل في حالة من الذهول وفقدان التركيز المطلق".

ويتابع خالد: "هذه الحالة تجعلها فريسة سهلة للغاية للصيادين الذين يقتربون منها بقواربهم بهدوء، بل إن الأمر يصل أحياناً إلى أن تلقي الأسماك بنفسها داخل القارب لعدم إدراكها لما يجري حولها. الصياد الخبير الذي يختار اليوم المناسب، يعود في المساء بغلة وفيرة جداً".

عودة قوية منذ عام 2019

ويكتسب موسم "الشداو" هذا العام أهمية خاصة، إذ تُعد هذه المرة الأولى منذ عام 2019 التي يتمكن فيها الصيادون من ممارسته على هذا النطاق الواسع. ويعود الفضل في ذلك إلى الارتفاع الملحوظ في مناسيب مياه بحيرة دوكان، والتي تمددت لتغمر مساحات من الأراضي الزراعية المجاورة التي كانت مزروعة بالقمح، مما خلق بيئة ضحلة ومثالية لتجمع الأسماك وتكاثرها.

في الموروث الشعبي الثقافي الكوردي، يُضرب المثل بـ "الاصطياد في الماء العكر" (ماري لە ئاوی لێڵدا دەگرێت) لوصف الشخص الانتهازي الذي يستغل الأوضاع الغامضة والمضطربة لتحقيق مآربه الشخصية.

لكن المفارقة العجيبة في بحيرة دوكان، وفيما يخص صيد أسماك "الشداو" تحديداً، أن هذا المثل ينطبق بمعناه الحرفي الإيجابي؛ فكلما كانت مياه البحيرة أكثر عكورة وامتزاجاً بالطين بفعل حركة التزاوج، تعاظمت فرص الصيادين في تحقيق صيد وفير ونجاح باهر، ليصبح "الماء العكر" هنا مصدر رزق وفرح، لا رمزاً للانتهازية.

تقرير: اراس امين – كوردستان24 – ادارة رابرين المستقلة