المرشد الإيراني علي خامنئي.. ثلاثة عقود من الحكم و"محور المقاومة"
أربيل (كوردستان 24)- أسدل الستار فجأة على واحدة من أطول وأعقد حقب الحكم في الشرق الأوسط الحديث، بعد مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، إثر ضربة جوية "أمريكية-إسرائيلية" استهدفت العاصمة طهران.
برحيل خامنئي (البالغ من العمر 86 عاماً)، تفقد إيران الرجل الذي هندس سياستها الداخلية والخارجية لأكثر من 35 عاماً، والذي حوّل بلاده إلى قوة إقليمية تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والفصائل المسلحة، وبرنامجاً نووياً أثار قلق العالم لعقود.
فيما يلي محطات مفصلية في حياة المرشد الثاني للجمهورية الإسلامية، منذ نشأته وحتى لحظة الاغتيال:
النشأة والتكوين الديني (1939 - 1962)
وُلد علي حسيني خامنئي في 19 نيسان/أبريل 1939 في مدينة مشهد (شمال شرق إيران) لعائلة دينية تقليدية. كان والده آية الله جواد خامنئي عالم دين معروفاً. تلقى تعليمه الأولي في الحوزات العلمية بمشهد، قبل أن ينتقل إلى مدينة قم (المركز الديني الأبرز في إيران) عام 1958.
في قم، تتلمذ على يد كبار المراجع، وأهمهم آية الله حسين البروجردي، ومؤسس الجمهورية الإسلامية لاحقاً، آية الله روح الله الخميني. تأثر خامنئي بشدة بأفكار الخميني الثورية المناهضة لحكم الشاه والنفوذ الأجنبي.
مرحلة النضال ضد الشاه (1962 - 1979)
انخرط خامنئي مبكراً في الحراك السياسي المعارض لحكم الشاه محمد رضا بهلوي. بسبب نشاطه التحريضي وتوزيع المنشورات، اعتقلته استخبارات الشاه (السافاك) ست مرات، وقضى فترات متفرقة في السجن والمنفى الداخلي.
خلال تلك الفترة، برز كخطيب مفوه ومثقف مطلع على الأدب العربي والفارسي، وكان يميل إلى ترجمة كتب مفكرين إسلاميين عرب (مثل سيد قطب) إلى الفارسية، مما ساهم في تشكيل وعيه السياسي الراديكالي.
الصعود في كنف الثورة والنجاة من الاغتيال (1979 - 1989)
مع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، أصبح خامنئي من الدائرة الضيقة المقربة للخميني. شغل مناصب عدة، منها نائب وزير الدفاع، وممثل الخميني في المجلس الأعلى للدفاع، وإمام صلاة الجمعة في طهران.
تعرض لمحاولة اغتيال بعبوة ناسفة أخفيت في جهاز تسجيل بمسجد أبو ذر في طهران (نُسبت لمنظمة مجاهدي خلق). نجا من الموت بأعجوبة، لكنه فقد القدرة على استخدام يده اليمنى بشكل كامل، وهو ما زاد من رصيده الشعبي كـ "شهيد حي".
انتخب رئيساً للجمهورية لولايتين متتاليتين. قاد البلاد سياسياً خلال الحرب العراقية الإيرانية المدمرة (1980-1988)، رغم أن السلطة الفعلية كانت بيد الخميني.
الوصول إلى سدة المرجعية والقيادة (1989)
في حزيران/يونيو 1989، توفي الخميني. واجهت إيران أزمة خلافة لأن خامنئي لم يكن يحمل رتبة "مرجع تقليد" (آية الله العظمى)، وهو شرط دستوري لتولي منصب الولي الفقيه آنذاك.
بدعم قوي من شخصيات نافذة (أبرزهم هاشمي رفسنجاني)، قام مجلس الخبراء بتعديل الدستور واختيار خامنئي مرشداً أعلى.
لتعويض نقص شرعيته الدينية في البداية، عمل خامنئي على بناء شبكة تحالفات قوية مع المؤسسة العسكرية، وتحديداً الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، الذي أصبح لاحقاً ذراعه الأقوى في حكم البلاد وتصدير الثورة.
هندسة "محور المقاومة" والسياسة الخارجية
يُعد خامنئي المهندس الفعلي لمبدأ "العمق الاستراتيجي الإيراني".
رفض بشكل قاطع أي تطبيع أو حوار جوهري مع الولايات المتحدة، التي أطلق عليها تسمية "الشيطان الأكبر"، واعتبر إسرائيل "غدة سرطانية" يجب إزالتها.
أشرف عبر "فيلق القدس" (بقيادة قاسم سليماني الذي قُتل أمريكياً في 2020) على تسليح وتمويل وتدريب شبكة هائلة من الوكلاء: حزب الله في لبنان، الفصائل الشيعية في العراق وسوريا، الحوثيين في اليمن، وحركتي حماس والجهاد في فلسطين.
رعى البرنامج النووي الإيراني، ورغم سماحه المتردد بإبرام الاتفاق النووي عام 2015، إلا أنه استغل انسحاب دونالد ترامب منه في 2018 ليثبت صحة نظريته القائلة بأن "الغرب لا يمكن الوثوق به".
القبضة الحديدية في الداخل الأزمات المتتالية
على الصعيد الداخلي، حافظ خامنئي على نظام إسلامي محافظ وصارم، وقمع بشدة أي محاولات إصلاحية أو احتجاجات شعبية هددت النظام:
احتجاجات الطلاب (1999).
الثورة الخضراء (2009) إثر الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل.
احتجاجات الوقود (2019) التي قُمعت بدموية شديدة.
تظاهرات "مهسا أميني" (2022-2023) التي شكلت أكبر تحدٍّ عقائدي للنظام، في كل هذه الأزمات، كان قرار خامنئي ثابتاً: لا تنازلات، واتهام المحتجين بالعمالة للخارج.
الاغتيال وما بعده: زلزال جيوسياسي وأزمة خلافة
يأتي مقتل خامنئي في هذه الضربة المزدوجة (الأمريكية-الإسرائيلية) على طهران ليخلق واقعاً جيوسياسياً جديداً غير مسبوق.
يمثل هذا الحدث اختراقاً أمنياً واستخباراتياً هائلاً، وإعلان حرب صريح سيضع المنطقة بأسرها على شفا مواجهة شاملة.
منذ توليه منصبه، لم يجر خامنئي زيارات خارج إيران، وهو عُرف درج عليه الخميني بعد عودته إلى طهران من فرنسا عام 1979 عقب انتصار الثورة الإسلامية إيران.
وكانت آخر رحلة خارجية معروفة له زيارة رسمية إلى كوريا الشمالية عام 1989، حينها كان رئيسا لإيران، والتقى خلالها في بيونغ يانغ نظيره كيم إيل سونغ.
يُعتقد أن لديه ستة أبناء، لكن من يحظى منهم بحضور بارز هو مجتبى الذي أدرجته الولايات المتحدة على لائحة العقوبات عام 2019 ويُعتقد أنه من أكثر الشخصيات نفوذا في إيران.