ملحمة "كوري".. اليوم الذي انكسرت فيه أنياب دبابات البعث على صخور جبال كوردستان

أربيل (كوردستان24)- على طول طريق "هاملتون" التاريخي، وفي الممر الجبلي الضيق المعروف بـ"مضيق كوري"، لا تزال بقايا الدبابات المتفحمة شاهدة على واحدة من أشرس المعارك في تاريخ النضال الكوردي المعاصر. إنها "ملحمة كوري" (داستانا كۆڕێ)، النقطة التي تحول فيها الانكسار إلى انتصار، واليأس إلى أمل بالبقاء.


السياق التاريخي: الهجوم المضاد
بعد انتفاضة آذار 1991 العظيمة التي حررت مدن إقليم كوردستان، حشد نظام البعث قواته في هجوم مضاد واسع بدأ في أواخر شهر آذار. وبسبب الفارق الكبير في العتاد والغطاء الجوي، اضطر ملايين الكورد للنزوح نحو الحدود في "الهجرة المليونية"، بينما كانت قوات النظام تستعيد السيطرة على مراكز المدن.


الإرادة التي لم تنكسر
في تلك اللحظة الحرجة، اتخذت القيادة الكوردية بقيادة الرئيس مسعود بارزاني قراراً تاريخياً: "لا انسحاب بعد اليوم، ويجب إيقاف تقدم دبابات النظام بأي ثمن". كانت منطقة "كوري" هي الموقع الإستراتيجي المختار، فهي البوابة التي لو فُتحت، لوصلت دبابات النظام إلى شقلاوة والمناطق الجبلية الوعرة التي احتمى بها النازحون.


تفاصيل الملحمة: 24 بيشمركة بمواجهة فرقة مدرعة
يروي شهود عيان ومقاتلون لـ"كوردستان24" كيف تحولت تلال كوري إلى جحيم للقوات الغازية. في 7 نيسان 1991، بدأت الفرقة 57 المدرعة للنظام هجومها. بأسلحة بسيطة وبضع قذائف RPG، تمكنت مجموعة صغيرة من قوات "البيشمركة" (قوات بارزان ووحدات من الجبهة الكوردستانية) من تدمير دبابات الطليعة، مما تسبب بانسداد الممر الجبلي الضيق وإرباك صفوف العدو.

القائد الميداني عمر عثمان يصف المنطقة بأنها "تنگەبەری" (مضيق)، حيث فقدت المدرعات ميزة الحركة والعدد. فيما يتذكر المقاتل خليل حيسو براعة الرامي "عثمان بيراني" الذي دمر بطلقات معدودة فخر الصناعة العسكرية للنظام آنذاك، مما أجبر القوات الغازية على التراجع تاركة خلفها عشرات الجثث والآليات المدمرة.


الفن في خندق القتال
لم تكن المعركة عسكرية فحسب، بل كانت معركة روح ومعنويات. الفنان القومي شفان برور يستذكر في هذا الوثائقي وصوله إلى خطوط النار حاملاً طنبوره بدلاً من البندقية، ليغني بين المقاتلين تحت دوي القذائف، في مشهد جسد تلاحم الشعب مع قيادته ومقاتليه.


النتائج: من الميدان إلى طاولة المفاوضات
أدت الهزيمة المذلة لقوات النظام في "كوري" إلى إجباره على القبول بالمفاوضات، وكانت حجر الزاوية الذي استندت عليه الجهود الدولية لاحقاً لإصدار القرار 688 وإنشاء "منطقة الحظر الجوي" والملاذ الآمن، وهو ما مهد الطريق لتأسيس برلمان وحكومة إقليم كوردستان.
اليوم، تقف تلك الدبابات في "كوري" ليس كخردة حديدية، بل كنصب تذكاري يذكر الأجيال الشابة بأن الحرية التي ينعمون بها اليوم سُقيت بدماء وتضحيات وإرادة صلبة رفضت الخضوع تحت أشد الظروف قسوة.