أزمة المحروقات في أربيل: قائممقام القضاء يكشف لـ "كوردستان 24" خطط الاستقرار وإجراءات مكافحة الاحتكار والغش

اربيل (كورستان24) -  تعد أزمة تذبذب أسعار الوقود وجودته من أكثر الملفات مساساً بالشهيق والزفير اليومي للمواطن في إقليم كوردستان. وفي ظل التحديات الاقتصادية والتقلبات التي تشهدها أسواق النفط، برزت تساؤلات ملحة في الشارع الكوردي، وتحديداً في العاصمة أربيل، حول أسباب الارتفاع الأخير في أسعار البنزين، والمدى الزمني المتوقع لاستقرارها، فضلاً عن الهواجس المتعلقة بجودة الوقود المطروح وآليات الرقابة على محطات التعبئة.

للإجابة عن هذه التساؤلات، استضافت شاشة "كوردستان 24" نبز عبد الحميد، قائممقام قضاء مركز أربيل، في حوار خاص سلط الضوء فيه على الخطط الحكومية لتأمين المشتقات النفطية، والتدابير المتخذة للحد من التلاعب بالأسعار والعدادات، كاشفاً عن تفاهمات جديدة تبشر بانخفاض قريب في أسعار الغاز السائل، وواضعاً النقاط على الحروف بشأن مستوى التنسيق مع الحكومة الاتحادية في بغداد.

نص الحوار:

كوردستان 24: طابت أوقاتكم بكل خير أعزائي المشاهدين. نناقش الليلة مسألة ارتفاع أسعار البنزين، ونبحث في أسباب هذا الارتفاع والحلول المطروحة من الجهات المعنية في كوردستان، وتحديداً في أربيل؛ لنقف على الإجراءات والمساعي المبذولة. إلى متى ستبقى الأسعار على هذا النحو؟ وكم يحتاج المواطن من الوقت لتستقر الأسواق؟ كما سنتطرق لملف جودة الوقود. هذه التساؤلات يجيبنا عنها مباشرة من أربيل السيد نبز عبد الحميد، قائممقام قضاء مركز أربيل. سيادة القائممقام، مرحباً بك، ولنبدأ بالسؤال الأبرز: لماذا عادت أسعار البنزين للارتفاع مجدداً في أربيل؟

نبز عبد الحميد: طاب وقتكم بكل خير. البنزين يمثل حاجة يومية أساسية لا غنى عنها لأي مواطن وسائق. وهنا يجب أن نوضح أن أربيل، بوصفها عاصمة الإقليم ومركزاً حيوياً يستقبل آلاف السيارات الوافدة يومياً، تواجه ضغطاً استهلاكياً يختلف تماماً عن بقية المدن ذات الحركة المرورية الأقل.

بالنسبة للوقود المتاح، يتوفر لدينا نوع مدعوم حكومياً يُوزع يومياً على محطات محددة بسعر (750 ديناراً للتر). غير أن كميات هذا البنزين تشهد تذبذباً يومياً؛ فكلما ارتفع معدل الإنتاج زاد عدد المحطات الموزعة، والعكس صحيح. وتلعب الظروف الإقليمية، إلى جانب الأعطال الفنية الطارئة في المصافي، دوراً مباشراً في تقليص الكميات أحياناً. لكن إذا أردنا تقييم الوضع اليوم، فهو أفضل بكثير مقارنة بالأيام القليلة الماضية، والازدحامات والطوابير أمام المحطات بدأت تتراجع بشكل ملحوظ.

جودة الوقود أولاً.. لماذا ترفض السلطات خيار "إغراق السوق"؟

كوردستان 24: ما هي الخطوات العملية والإجراءات التي اتخذتموها لتثمر عن هذا التحسن الملموس مقارنة بالأيام السابقة؟

نبز عبد الحميد: الخطوة الأولى تمثلت في زيادة عدد الصهاريج المخصصة للشحن والتوزيع (علماً أن سعة الصهريج الواحد تبلغ 36 ألف لتر)، وهناك خطط مستمرة لزيادة هذه الإمدادات في الأيام المقبلة.

نحن نمتلك القدرة الفنية على "إغراق" أسواق أربيل بالبنزين فوراً لتغطية الطلب، لكن هذا الإجراء سيكون على حساب الجودة، وهو ما نرفضه تماماً لما يسببه من أضرار بالغة بمركبات المواطنين. لو عدنا بالذاكرة إلى ما قبل 4 أو 5 سنوات، لتذكرنا المشاكل الجسيمة الناتجة عن رداءة الوقود، مثل احتراق السيارات في الشوارع والأعطال المتكررة للمحركات. لذلك، فإن الحفاظ على معايير الجودة العالية يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

كوردستان 24: ألا يمكن الموازنة بين زيادة الكميات الموزعة وتشديد الرقابة لضمان عدم تراجع الجودة؟

نبز عبد الحميد: هذا ما نعمل عليه بالفعل. جهود حكومة الإقليم ووزارة الثروات الطبيعية تتركز حول زيادة الكميات المنتجة مع التمسك بالمعايير القياسية. وأنا أؤكد للمواطنين: بإمكاننا توفير البنزين بكثافة غداً ولكن بجودة رديئة، ولن نسلك هذا الطريق أبداً لحمايتهم وحماية ممتلكاتهم.

كوردستان 24: أشرت إلى أن الحكومة الاتحادية لم تساهم في تأمين الوقود للإقليم. ماذا يعني ذلك بدقة؟ هل يغيب الدعم والتنسيق بالكامل، لا سيما أن المواطنين يقارنون دائماً بين الأسعار المخفضة في بغداد والأسعار هنا؟

نبز عبد الحميد: نعم، بكل وضوح؛ الحكومة الاتحادية لا ترسل أي كميات من البنزين إلى إقليم كوردستان، ولا يوجد أي تنسيق أو دعم مالي في هذا الملف. البنزين المتوفر بسعر 750 ديناراً هو مدعوم بالكامل من الموازنة الخاصة بحكومة الإقليم، برغم كلفته العالية على الخزينة العامة. ولو قدمت بغداد الدعم المأمول، لتمكنا من خفض الأسعار وتوسيع رقعة المحطات الموزعة.

ومع ذلك، يواصل برلمانيو الإقليم ووزارة الثروات الطبيعية حواراتهم مع الحكومة الاتحادية لتأمين حصة عادلة لكوردستان. وفي المقابل، ساهمت الضوابط الصارمة والعقوبات المفروضة على المتلاعبين ومستوردي الوقود الرديء في تقليص نسبة الغش التجاري بالأسواق بشكل كبير، وهو ما انعكس إيجاباً على تراجع أعطال السيارات، ولا سيما مضخات الوقود (الفيول بمب).

الرقابة بالمرصاد: غرامات مغلظة وإغلاق للمحطات المخالفة

كوردستان 24: هل نفهم من ذلك أنكم راضون تماماً عن جودة البنزين المتوفر حالياً بالأسواق؟

نبز عبد الحميد: نعم، راضون بدرجة كبيرة عن الوقود الخاضع للفحص والمطابق لمعايير وزارة الثروات الطبيعية. أما التجاوزات المحدودة التي تظهر أحياناً في أطراف المدينة، فهي سلوكيات فردية تندرج إطار الغش التجاري وخلط المواد، ونتعامل معها بحزم شديد.

الإجراءات الرقابية لا تتهاون مع المخالفين؛ وتشمل الإغلاق الفوري للمحطة، وفرض غرامات مالية باهظة، وتضاعف العقوبة في حال التكرار، وقد تصل إلى الإغلاق التام لمدة شهر أو سحب التراخيص بشكل نهائي.

كوردستان 24: كم يبلغ عدد المحطات التي توزع البنزين المدعوم حالياً؟ وإلى أي رقم تطمحون للوصول؟

نبز عبد الحميد: التوزيع لا يتم عبر محطات ثابتة لضمان العدالة وتغطية مختلف المناطق؛ حيث تقوم لجنة مختصة في وزارة الثروات الطبيعية بتدوير عملية التزويد بانتظام بين المحطات التي تستوفي الشروط. في إحصائية اليوم -على سبيل المثال- تم تزويد ما بين 26 إلى 27 محطة في أربيل بالبنزين المدعوم، ويرتفع هذا العدد أحياناً ليتجاوز 30 محطة، وينخفض في أيام أخرى دون الـ 20 تبعاً لحجم الإمدادات اليومية. وبشكل عام، لدينا في حدود محافظة أربيل أكثر من 400 محطة وقود مرخصة ومصرح لها بالعمل.

حملات تفتيشية مفاجئة وخطوط ساخنة لتلقي شكاوى المواطنين

كوردستان 24: هل تخضع المحطات الحديثة أو ما يُعرف بـ "العصرية" لذات الرقابة؟ وإلى أي مدى يلتزم أصحابها بالتعليمات؟

نبز عبد الحميد: الرقابة صارمة ومطبقة على الجميع دون أي استثناء أو تمييز، سواء كانت المحطة تابعة لشركة كبرى أو شركة محلية، بل تشمل الرقابة أيضاً معامل ومحلات بيع الغاز السائل. وتقوم اللجان بزيارات تفتيشية مفاجئة وغير معلنة لأخذ عينات عشوائية وفحصها مختبرياً.

كما نتحرك فوراً بناءً على شكاوى وبلاغات المواطنين. وهنا نوجه نصيحة للسائقين: في حال الشك في جودة الوقود أو عداد المحطة، يُرجى تجنب الدخول في مهاترات مع العاملين، بل المبادرة فوراً للاتصال بالخطوط الساخنة المتاحة على مدار الساعة، وهي: (2228866) و (2228844). الإبلاغ السريع يمنع المخالفين من التخلص من الوقود المغشوش قبل وصول لجاننا.

وفي سياق متصل، اتخذت شرطة القائممقامية إجراءات قانونية بحق 5 إلى 6 من موزعي الغاز المنزلي عبر نظام "البطاقة الذكية"، للاشتباه بوجود تلاعب واحتيال في إيصال المادة لمستحقيها، والتحقيقات معهم لا تزال مستمرة. برغم أن نظام البطاقة الذكية كان خطوة ناجحة مكنتنا من تجاوز أزمة شح الغاز في الشتاء الماضي بنجاح.

إنهاء احتكار الغاز السائل.. تراجع الأسعار إلى 600 دينار

كوردستان 24: لنتحدث عن الغاز السائل؛ يترقب المواطنون معرفة الموعد المحدد لعودة أسعاره إلى معدلاتها الطبيعية؟

نبز عبد الحميد: نود أن نزف بشرى سارة للمواطنين؛ لقد رصدنا سابقاً محاولات من بعض الجهات لتشكيل "كارتل" أو احتكار للتحكم بأسعار الغاز السائل في أربيل، حيث تجاوز سعر اللتر سابقاً حاجز 900 دينار. بالتنسيق مع وزارة الثروات الطبيعية، أجرينا تحقيقات موسعة مع هذه المجموعة وتمكنا من تفكيك الاحتكار واتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة بحقهم. واليوم، تراجع السعر بوضوح ليصل إلى 600 دينار فقط للتر، ونؤكد أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد انخفاضاً إضافياً ليكون السعر أكثر ملائمة للجميع.

كوردستان 24: هذه بالفعل أنباء مشجعة. إذن، ما الذي يمكن للمواطنين ترقبه بشكل ملموس في الأيام القادمة بخصوص ملف المحروقات عموماً؟

نبز عبد الحميد: الحصول على المحروقات بأسعار مناسبة وجودة عالية هو حق أساسي للمواطن، وواجب أصيل على عاتق الحكومة. ونحن واثقون من قدرة حكومتنا -رغم كل التحديات والظروف الاقتصادية- على تأمين وتقديم أفضل الخدمات. ونظراً لأن السوق يخضع لقانون العرض والطلب؛ فإن زيادة كميات المشتقات النفطية والوقود وضخها في الأسواق بجودة ممتازة ستؤدي تلقائياً إلى خفض الأسعار وتحقيق الاستقرار في غضون الأيام القليلة المقبلة.

مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.. ولا تهاون مع تلاعب الشركات

كوردستان 24: عبر منصات التواصل الاجتماعي، يعبر شق من الشارع عن مخاوفه من أن الارتفاع الحالي في الأسعار يصب في صالح أرباح بعض الشركات الاحتكارية. ما تعليقكم؟

نبز عبد الحميد: مصلحة المواطن تعلو فوق أي مصلحة تجارية أو حزبية ولا يمكن مساومتها. تأمين الوقود يتم عبر القطاع الخاص والشركات، ونحن نعمل بالتنسيق معهم لزيادة ضخ الكميات وخفض الأسعار وضبط جودتها. وهناك شركات وطنية رائدة مثل (لاناز وكار) أدت دوراً كبيراً في دعم هذا الملف وتأمين المشتقات النفطية لأسواق أربيل.

أؤكد مجدداً: لا تهاون مع أي جهة تحاول استغلال حاجة المواطنين. وهناك متابعة مباشرة ويومية من السيد المحافظ ومكتب رئيس الحكومة لضمان استقرار الأسواق وتأمين الوقود بالجودة المطلوبة.

كوردستان 24: هل يتم إنتاج البنزين عالي الجودة (المحسن والسوبر) محلياً أم يجري استيراده؟

نبز عبد الحميد: جلّ اهتمامنا وتركيزنا ينصب على تأمين (البنزين العادي) لأنه يمس الشريحة الأوسع من المواطنين وأصحاب الدخل المحدود. أما البنزين (المحسن والسوبر)، فتستورده الشركات الخاصة تحت إشراف الوزارة لتأمين نسبة أوكتان مرتفعة، ولا تتجاوز نسبة السيارات التي تستخدم هذا النوع 5% تقريباً من إجمالي المركبات في الإقليم.

ومع ذلك، يخضع هذا الوقود المستورد للفحص العشوائي والمستمر للتأكد من مطابقته للمواصفات الفنية المعتمدة.

"نستخدم البنزين المدعوم لسياراتنا".. وحملة مرتقبة لضبط العدادات

كوردستان 24: سيادة القائممقام، لو سألناك بصيغة شخصية؛ ما هو نوع البنزين الذي تستخدمه لسيارتك الخاصة؟

نبز عبد الحميد: أنا شخصياً أستخدم البنزين المدعوم حكومياً (فئة 750 ديناراً) لسيارتي الرسمية والخاصة بشكل يومي ومستمر، ولم أواجه أي مشكلة فنية على الإطلاق. وهذا دليل عملي على سلامته وجودته للسيارات الحديثة والقديمة على حد سواء.

كوردستان 24: يشتكي بعض السائقين من وجود تلاعب في عدادات الضخ بالمحطات؛ كأن تطلب 25 لتراً فتحصل فعلياً على 22 لتراً فقط. هل رصدتم مثل هذه المخالفات؟

نبز عبد الحميد: نعم، وبكل شفافية، رصدنا حالات تلاعب بالعدادات (مقياس الضخ). لجاننا الرقابية لا تكتفي بفحص الجودة بل تفحص دقة العدادات بشكل دوري. وقد اتخذنا إجراءات قانونية صارمة للغاية؛ شملت إحالة أصحاب المحطات المخالفة إلى المحاكم المختصة والادعاء العام، وصدرت عقوبات بحق بعضهم وصلت إلى إغلاق المحطة وسحب رخص العمل نهائياً، لا سيما للمحطات المؤقتة التي تقع في مواقع غير ملائمة وسط الأحياء السكنية أو الأسواق؛ حيث أزلنا حالة من هذا القبيل مطلع هذا الأسبوع.

كوردستان 24: إذن، الرسالة الختامية التي نلخص بها حوارنا الليلة؛ هي أن مواطني إقليم كوردستان وعاصمتها أربيل مقبلون على انفراجة حقيقية وحل نهائي لأزمة البنزين والغاز في الأيام القادمة؟

نبز عبد الحميد: نعم، هذا صحيح تماماً، والنتائج ستترجم فعلياً على أرض الواقع قريباً جداً.

كوردستان 24: شكراً جزيلاً لك سيادة قائممقام قضاء مركز أربيل، السيد نبز عبد الحميد، على هذه التوضيحات القيمة.