بين جبال دالاهو الشامخة.. متحف "التنبور" في كرند يحرس هوية يارسية عريقة من الاندثار

أربيل (كوردستان 24)- في قلب جبال "دالاهو" الشامخة، حيث يمتزج سحر الطبيعة البكر بعبق التاريخ، يتردد صدى نغمات مفعمة بالروحانية ومقامات "الهور" العرفانية.

هنا في دالاهو، موطن الصقور والغزلان، تحول المكان إلى حارس أمين لآلة موسيقية لا تمثل لأتباع الطائفة اليارسية مجرد أداة للعزف، بل هي ترجمان لأسرار الروح ومناجاتها الوجدانية؛ إنها آلة "التنبور".

ويأتي تأسيس متحف التنبور في مدينة "كرند" كخطوة دؤوبة وصادقة للحفاظ على هذا التراث الثقافي الأصيل وحمايته من الاندثار، ليبقى نابضاً بالحياة في وجدان الأجيال المتعاقبة.

أخشاب التوت تصنع ليالي العرفان

يؤكد فرشاد أفضلي، مؤسس ومدير المتحف، أن هذا الصرح يتجاوز فكرة كونه جدراناً صامتة تعرض لوحات تاريخية، قائلاً لـ كوردستان24: "هذا المتحف ليس مجرد فضاء جامد للعرض، بل هو ورشة حية، تتحول فيها أخشاب أشجار التوت -بأنامل الحرفيين المهرة- إلى أدوات ترافق ليالي العرفان والروحانية. نحن لا نصنع آلة التنبور هنا فحسب، بل نسعى لتوريث مقاماتها الأصيلة إلى الأجيال الجديدة، ليعود أطفال وشباب المنطقة إلى جذورهم وثقافتهم الكوردية الأصيلة. إن التنبور هنا هو صدى لتاريخ ممتد وضارب في القدم".

سحر الـ 72 مقاماً بين العبادة والتاريخ

من جانبه، يستعرض العازف وصانع آلات التنبور، محمد رضا مقصودي، الخصوصية الفنية والروحية لهذه الآلة، مشيراً إلى أنها تحتوي على 72 مقاماً رئيسياً.

وتنقسم هذه المقامات تاريخياً إلى مقامات "مجلسية" (عرفانية واجتماعية) ومقامات "حقانية" (مقدسة).

وتُعزف المقامات الحقانية حصراً داخل مجالس الذكر والعبادة اليارسية (الجم)، حيث ترافق الأدعية والنصوص الدينية المقدسة، في حين ترتبط المقامات الأخرى بإرث ملحمي وتاريخي طويل كقصائد "الشاهنامه" الكوردية والأساطير الشعبية للمنطقة.

وجهة سياحية لجمال بكر

تفوح رائحة التاريخ والقداسة من كل شبر في هذه الجغرافيا؛ بدءاً من بلدات "بيران" و"ريجاب" الأثرية، وصولاً إلى قلعة "يزدگرد" ومزار "بابا يادگار" المهيب لدى أتباع الطائفة.

وفي هذا الإطار، بات متحف التنبور الوجهة الأكثر جذباً للسياح وعشاق الفنون والموسيقى العرفانية، الذين يتوافدون لمعاينة سحر الأوتار ودقة حركة الأصابع عن قرب.

وتواصل دالاهو، بكل فخر واعتزاز، صون ألحانها وهويتها الغنائية الفريدة، ليبقى الصوت المقدس لآلة التنبور يصدح بالسلام والمحبة في ثنايا جلسات الذكر "الجم" وأوساط المجتمع اليارسي، حاملاً إرثاً عابراً للأزمنة. 

تقرير خاص بكوردستان24