أزهار الصحراء... حكاية الكورد الذين زرعوا "كوردستان" في قلب طشقند
أربيل (كوردستان 24)- في أحد أزقة العاصمة الأوزبكية طشقند، داخل منزل بسيط يفوح برائحة الحنين، يستمر صراعٌ صامت منذ أكثر من 60 عاماً.. إنه صراع للحفاظ على الهوية الوطنية في مواجهة سنوات الغربة الطويلة. هنا، لم تستطع المسافات الممتدة بين آسيا الوسطى وجبال كوردستان أن تقطع صلة هؤلاء المهجّرين بجذورهم، كأنما كانت تلك الجذور أطول وأعمق من مسافات البُعد.
بين جدران هذا المنزل، تحكي الصور والأوراق حكايات لم تُكتب في كتب التاريخ الرسمي؛ حكايات يتردد فيها دائماً ذكر أربيل، ومهاباد، وديار بكر، وقامشلو. وعلى الرغم من أن هذا الجيل يتحدث اللغتين الأوزبكية والروسية بطلاقة، إلا أنك حين تسأل أحدهم: "من أنت؟"، يأتي الرد حاسماً ودون تردد: "أنا كوردي".

يروي محمود رحمن محمود الخزني، المولود عام 1962 في حي "إسكان" بأربيل لأم أوزبكية وأب كوردستاني، سيرة والده البيشمركة "رحمن محمود" الذي التحق بقوات جمهورية مهاباد وهو لم يتجاوز الـ 13 من عمره.
يقول محمود مسترجعاً ذاكرة والده:
«عندما التحق والدي بقوات القاضي محمد عام 1945، كان صغيراً فلم يُعطوه سلاحاً. وبما أنه كان يجيد الكوردية والفارسية والعربية، ارتدى زيّاً عربياً وتجوّل في المنطقة لاستطلاع حجم القوات المسلحة والمدافع هناك. واستمر في مهامه حتى سقوط الجمهورية وإعدام القاضي محمد. وحينها، تساءل الملا مصطفى البارزاني: من مستعد للدفاع عن الوطن؟ فكان والدي من أوائل المعلنين لجاهزيتهم، ولأنه كان خبيراً بمسالك الجبال في العراق وإيران وتركيا، أوكل إليه البارزاني مهام الاستخبارات والاستطلاع، وأصبح يده اليمنى.»
في الغربة، احتفظ محمود بصورة نادرة لوالدِه تعود لعام 1961، جمعته بالزعيم الكوردي الملامصطفى البارزاني خلال فترة لجوئهما إلى الاتحاد السوفيتي، حيث قام بإنتاجها وتجديدها لتظل شاهداً على تلك المرحلة.
في ركنٍ آخر من المنزل، يُحفظ غرضٌ نادِر بقدسية خاصة؛ إنه ماكينة حلاقة وتهذيب شعر قديمة. لم تكن هذه الأداة مجرد أثرٍ عائلي، بل هي أمانة تاريخية يُسندها محمود إلى والده البيشمركة رحمن، الذي كان يرافق البارزاني الخالد في روسيا؛ وتولى بنفسه حلاقة شعر ولحية القائد بها خلال سنوات النضال السوفيتية.


ليست قصة محمود سوى جزء من لوحة أكبر، تتشارك فيها العائلات الكوردية ذات المصير. "خديجة بابكر محمد"، المولودة عام 1961 في حي "إسكان" بأربيل، وهي ابنة البيشمركة "بابكر محمد" من قرية "هسني" البارزانية، تروي مسار رحلة الشتات التي خاضتها عائلتها.
تقول خديجة بمرارة تشوبها الذكريات:
«في عام 1964 عادت والدتي من البصرة إلى موسكو ومنها إلى طشقند. وفي عام 1972 تقرر أن نعود إلى كوردستان، لكن نصائح الأقارب حذرتنا من أن العودة تعني انقطاع الأمل في اللقاء مجدداً. ظل والدي ينتظرنا ست سنوات كاملة، ولم تتوقف الرسائل بيننا طوال تلك الفترة.»
تضيف خديجة وهي تنظر إلى صور والديها الملتقطة في عام 1965: «لقد نشأنا هنا، لكن قلوبنا ظلت هناك. ونحن ممتنون لحكومة إقليم كوردستان وللقيادة الكوردستانية التي لم تتخلَّ عنا وساندتنا في الغربة، رغم أن الشوق للوطن لا يداويه شيء.»
على بعد ساعتين من وسط طشقند، تأخذنا السيارة عبر طريق عادي يتحول بالنسبة لهذه العائلات إلى "طريق الذكريات". يسود الصمت في الداخل، ويتجه الجميع نحو مقبرة "ألمازار".. المكان الذي وُري فيه الثرى أولئك البيشمركة الذين رافقوا الملا مصطفى بارزاني، ولم تسعفهم الأقدار للعودة بكرام أجسادهم إلى كوردستان.


على مشارف المقبرة، تسارع السبعينية "فاطمة"، ابنة البيشمركة "عمر حاجي صالح" قادمةً من بلدة ألمازار فور علمها بوفود زائرين من أرض الوطن. تقف فاطمة بجوار قبر والدها المزين بالنقوش، وتقول بنبرة ملؤها الشجن:
«قاتل والدي حتى آخر لحظة في حياته من أجل كوردستان. لقد بقيت بمفردي هنا ولا أملك أحداً، لكن والدي زرع فينا حب الوطن منذ الصغر، حين كان البارزاني يعلمهم ويغرّس فيهم مبادئ النضال.»
قصة الكورد في أوزبكستان ليست مجرد حكاية هجرة ونزوح فرضتها ظروف السياسة؛ إنها ملحمة شعبٍ بكى، وصبر، واغترب، لكنه استطاع أن يحول أرض الغربة الجافة إلى واحة يزرع فيها "أزهاراً بيضاء" تعبّر عن السلام والأمل.
رحل أولئك الثوار بعيداً عن ديارهم، غير أن أسرهم وأبناءهم في طشقند ما زالوا يرنون بأبصارهم نحو الجبال المحبوبة، متطلعين إلى اليوم الذي تعود فيه أطيافهم إلى أرض كوردستان.
تقرير: كاوار صالح – خاص بكوردستان24

