شراكة بين "ناسا" و"آي بي إم" تطلق نموذجاً ثورياً للذكاء الاصطناعي لرسم أدق خريطة لسطح القمر

أربيل (كوردستان 24)- أزاحت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) بالتعاون مع عملاق التكنولوجيا شركة "آي بي إم" (IBM)، اليوم الخميس 10 أيلول/سبتمبر 2026، الستار عن نموذج متطور للذكاء الاصطناعي أُطلق عليه اسم "النموذج القمري التأسيسي" (Lunar Foundation Model - LFM)، والقادر على معالجة وتوحيد عقود من البيانات والمعلومات الاستكشافية المتراكمة، في خطوة تمهد لبناء أدق خرائط طبوغرافية وجيولوجية لسطح القمر في تاريخ استكشاف الفضاء.

ويأتي هذا الإنجاز العلمي، الذي كُشف عنه رسمياً عبر ورقة بحثية تقنية متخصصة، ليعالج إحدى كبرى المعضلات الحسابية والتقنية التي واجهت علماء الكواكب على مدى عقود طويلة، حيث تراكمت كميات هائلة من الصور والبيانات المتناثرة التي أرسلتها المركبات والمسابير المدارية دون وجود منصة مركزية قادرة على دمجها في سياق تحليلي موحد وشامل.

عقدة البيانات المتراكمة وتحديات الرصد

على مدار عقود من المهام الاستكشافية الروبوتية، جمعت مسابير الفضاء، وفي مقدمتها مسبار استكشاف القمر المداري (LRO) التابع لوكالة ناسا، ملايين السجلات والقياسات الرقمية عبر حزم متباينة من المستشعرات. وشملت هذه السجلات صوراً بصرية فائقة الدقة، وبيانات أجهزة قياس الارتفاعات الليزرية، ومؤشرات الانعكاس الراداري، بالإضافة إلى القياسات الطيفية التي ترصد التراكيب والعناصر الكيميائية لتربة القمر.

ورغم القيمة العلمية الفريدة لهذه البيانات، فإن توحيدها ظل يمثل عبئاً لوجستياً وحسابياً هائلاً. واقتصرت معالجة تلك المعلومات سابقاً على نماذج ذكاء اصطناعي بصرية عامة، مثل نموذج (SwinV2-B) الذي طُوّر في عام 2022 لتصنيف وفهم الصور الرقمية، إلا أن تلك الأنظمة واجهت قصوراً بنيوياً في فهم خصوصية التضاريس القمرية وتباين مصادر المسح الاستشعاري.

وتضاعفت صعوبة هذه المهمة بفعل البيئة القمرية ذاتها؛ إذ إن انعدام الغلاف الجوي للقمر يفرض شروط إضاءة شديدة القسوة وزوايا سقوط شمسي حادة، مما يولد ظلالاً عميقة ومخادعة بصرياً تحجب المعالم الجيولوجية الدقيقة وتطمس تفاصيل المنحدرات. كما أن تفاوت مستويات دقة الصور، التي تراوحت بين مسوحات إقليمية واسعة بدقة تصل إلى 100 متر لكل بكسل، وصولاً إلى مسوحات تفصيلية بدقة متر واحد للبكسل، شكل عائقاً تقنياً معقداً أمام إيجاد صورة تضاريسية متجانسة ومترابطة.

 

ابتكار "SomBench" وتقنية التعلّم بالرموز المحجوبة

لتجاوز هذا الانسداد البياني، ابتكر الفريق العلمي المشترك قاعدة بيانات مرجعية متطورة أُطلق عليها اسم "سوم بينش" (SomBench). وتتكون هذه القاعدة من نحو مليوني شريحة خريطة متداخلة ومصفوفة بدقة، تتيح جمع القياسات الملتقطة من أدوات مختلفة وزوايا متعددة ومستويات دقة متباينة ضمن مسارات متناسقة، ما دامت ترصد الموقع الجغرافي ذاته على سطح القمر.

وتتكامل داخل هذا النموذج طبقات بيانات متعددة الأبعاد؛ حيث تمنح الطبقات منخفضة الدقة نظرة شمولية واسعة وتوفر قياسات الانعكاس فوق البنفسجي والارتفاعات، بينما تدمج الطبقات عالية الدقة الصور المكبرة بالغة التفصيل مع مسوحات التضاريس ومخططات الانحدار والتوجيه الميداني، مضافاً إليها قراءات السلوك الحراري والتركيب المعدني السطحي والاضطرابات الموضعية في الجاذبية.

ويعتمد النموذج القمري التأسيسي في معالجته لتلك الطبقات المعقدة على تقنية متقدمة تُعرف بـ "التعلّم بالرموز المحجوبة" (Masked-token learning). وتقوم هذه الآلية على حجب أجزاء محددة من الشريحة القمرية أثناء مرحلة التدريب، مثل مظهرها في الضوء المرئي أو بيانات ارتفاعها، ليتولى النموذج التنبؤ بالمعلومات المحجوبة عبر ملايين الأمثلة التجريبية، وهو ما مكّن النظام من بناء فهم عميق ومباشر للروابط الفيزيائية بين الإضاءة وطبيعة التضاريس والخصائص الجيولوجية العامة.

ولمعالجة الخداع البصري الناجم عن الظلال، قام الباحثون بتزويد النموذج ببيانات وصفية دقيقة توضح زوايا الشمس وموقع المركبة المدارية في لحظة الالتقاط، بدلاً من تركه يخمن طبيعة المشهد عبر الظلال وحدها، مما منح خوارزميات الذكاء الاصطناعي قدرة استثنائية على تمييز ملامح الأرض الحقيقية دون أن تقع في شرك الظلال الكثيفة.

قفزة نوعية في دقة الرصد والمطابقة

أظهرت الاختبارات التطبيقية التي أُجريت على النموذج الجديد تفوقاً نوعياً عبر أربعة مسارات علمية رئيسية. ففي مهمة رصد الفوهات القمرية وتحديد مواقعها، تفوق النموذج الجديد بنسبة قاربت 19% مقارنة بنموذج (SwinV2-B)، وباستخدام نصف عدد مؤشرات التدريب المسبقة فقط.

أما في ملف التنقيب عن الجليد القمري، وهو أحد أكثر الملفات حساسية لمستقبل الوجود البشري في الفضاء، فقد أظهر النموذج قدرة فائقة على تقدير احتمالات وجود رواسب الجليد المائي ضمن الطبقة السطحية العليا من التربة والصخور القمرية (الريغوليث) في المناطق القطبية. ونجح النموذج في تقليص نسبة الخطأ في تحديد بؤر الجليد القمري بنسبة وصلت إلى 22%، إلى جانب إظهار دقة متناهية في رسم خرائط الفوهات ذات المقياس المتري ورصد التكوينات البركانية النادرة المعروفة بـ "بقع البحار القمرية غير المنتظمة" (IMPs).

 

البرمجيات المفتوحة ومستقبل الرحلات الاستكشافية

وفي خطوة تهدف إلى دعم المجتمع الأكاديمي الدولي وتعزيز أبحاث الفضاء، قررت ناسا وشركة "آي بي إم" إتاحة النموذج التأسيسي بشكل مفتوح المصدر بالكامل ومجاناً عبر منصة "هاغينغ فيس" (Hugging Face) المعنية بمستودعات نماذج الذكاء الاصطناعي.

وتسمح هذه الإتاحة للعلماء والمختصين في مختلف أرجاء العالم بتطويع النموذج وبرمجته بدقة للإجابة عن أسئلة محددة تخدم مشاريعهم الخاصة، بالاعتماد على تقنيات تحسين خفيفة التكلفة الحاسوبية مثل تقنية "التكيف منخفض الرتبة" (LoRA). وتتيح هذه التقنية ضبط النموذج وتكييفه لأداء مهام بحثية تخصصية عبر تعديل نسبة ضئيلة جداً من الأوزان البرمجية، وتجنيب الباحثين التكاليف الباهظة والوقت الطويل اللازمين لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي من نقطة الصفر.

وستكون لهذه الإمكانيات المتقدمة انعكاسات عملية حاسمة على برامج استكشاف الفضاء المستقبلية، لاسيما مهام برنامج "أرتيميس" المأهولة نحو القمر؛ حيث سيسهم النموذج في توليد خرائط دقيقة لفوهات الارتطام لتحديد مناطق الهبوط الآمن للمركبات، وفحص التركيب الكيميائي لطبقات القمر العميقة، بالإضافة إلى تمشيط المناطق المظلمة بصورة دائمة والتي ترجح الدراسات احتواءها على مخزونات جليدية حيوية لتأمين إمدادات المياه والوقود للقواعد القمرية الدائمة.

ورغم هذه القفزة، أوضح الباحثون أن النظام يمثل أداة تحليلية مساعدة فائقة الدقة للتعرف على الأنماط الطبوغرافية، وليس بديلاً عن القياسات الفيزيائية الميدانية المباشرة، مؤكدين أن النموذج يشكل اللبنة الأساسية لبناء حقيبة أدوات ذكية تعيد صياغة آليات التخطيط للبعثات الاستكشافية الروبوتية والبشرية المقبلة.

المصدر: موقع Live Science