يكشف كواليس ردٍ لم يجرؤ عليه أحد ويسرد جزءاً من "تجربة بغداد

الرئيس بارزاني

أربيل (كوردستان 24)- سرد الرئيس مسعود بارزاني جزءا من تفاصيل أول لقاء جمعه مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي، كما تحدث عن تفاصيل الانتفاضة الكوردية ورسائل داخلية وخارجية رافقت مسيرته النضالية في سبيل القضية الكوردية.

وادلى الزعيم الكوردي بتلك التفاصيل التاريخية في مقابلة مع برنامج (السطر الأوسط) الذي تبثه قناة (إم.بي.سي) بسلسلة أجزاء. وبثت القناة حتى الآن جزأين من المقابلة.

وقال الرئيس بارزاني في المقابلة إنه بعد أن تم طرد صدام من الكويت جرى اتفاق بين القيادة المركزية الأمريكية وضباط من الجيش العراقي في خيمة صفوان، اندلعت الانتفاضة في أواخر شباط ومطلع آذار عام 1991 ليستسلم خلالها فيلقان من الجيش العراقي على يد الكورد.

وتابع "أنا منذ ذلك اليوم صرت افتخر بانتمائي لشعبي الكوردي أكثر من السابق، لأنهم تعاملوا مع الجنود معاملة إنسانية لم أكن أتوقعها أبدا"، مبينا أن الجنود الذين استسلموا هم ذاتهم من شارك بعمليات الأنفال والقصف الكيماوي والتهجير والتعريب بحق الشعب الكوردي.

وأضاف الزعيم الكوردي "كل المصائب التي حلت بالشعب الكوردي كانت منهم.. إلا أنهم عوملوا معاملة حسنة (من قبل المقاتلين الكورد)، واستضافوهم ولم ينتقموا.. وكنت أخشى أن ينتقم الكورد (من الجنود) بشكل عشوائي على الهوية، لكن الحمد لله هذا لم يحصل".

ومضى يقول "خيرانهم وقلنا لهم: أنتم أحرار، إن أردتم العودة إلى أهلكم أو البقاء معنا، أو إذا كنتم تريدون السفر إلى دولة خارجية"، ولفت إلى أن كل واحد اتخذ قراره وفق ما يناسبه.

"اتصال صدام"

أشار الرئيس بارزاني إلى أن "صدام اتصل يوم 13 آذار وبعث رسالة لنا، وقال: هذه مرحلة جديدة.. ونريد مفاوضات. ونحن أجبناه قلنا له: نحن دائما مع الحوار ولم نكن يوما من الأيام من طلاب الحرب، ولم نؤمن بأي يوم من الأيام بان الحرب هي الوسيلة الأنجح لحل المشاكل. إذا أنتم جادون فأهلا وسهلا".

واستطرد الرئيس بارزاني "بعد أن سمح الأمريكيون في خيمة صفوان للعراقيين باستخدام الهيلوكوبترات ونقل ثلاث فرق عسكرية، (صدام) غيّر موقفه، والأنكى من ذلك أن الرسالة التي بعثناها (إلى صدام) احترقت داخل السيارة بعد حادث تعرض له حاملها في الطريق".

وقال "بعد أن عاد (حامل الرسالة) أعطينا له نسخة أخرى، وخلال هذه الفترة حصل الاتفاق بين صدام والجنرال نورمان شوارزكوف (خيمة صفوان) بما يشمل السماح باستخدام الهيلوكوبترات" مشيرا إلى أن صدام كان يظن أن استخدام الطائرات السمتية هو من دفع الكورد للقبول بالمفوضات.

وتابع "اعتقدوا إننا قمنا بذلك من الخوف".

ومضى الرئيس بارزاني قائلا "ركبوا رؤوسهم، وبدأوا بحملة عسكرية واستردوا الكثير من المواقع، ولكن لم نكن نملك في ذلك الوقت لا الإمكانيات ولا العدد الكافي من القوات، لكن جرت معركة حاسمة في مكان يبعد عن المكان الذي نجري فيه المقابلة بحدود عشر دقائق بالسيارة".

وأكمل "اندلعت معركة حاسمة وتم تدمير عدد كبير من آلياتهم، دبابات ومدرعات، وإصابات كبيرة جدا في صفوف الجيش وبعدها توقفوا ثم طلبوا أجراء مفاوضات مرة أخرى".

"بحر من الدماء"

قال الرئيس بارزاني إن "أول وفد ذهب (إلى بغداد) كان برئاسة المرحوم جلال الطالباني، وفي ثاني وفد ذهبت أنا".

وعندما سُئل عما قاله صدام خلال المقابلة، قال الرئيس بارزاني إن صدام بدأ حديثه بأنه يقدر الزيارة وقرار المجيء لبغداد رغم صعوبته، مبينا أن صدام قال "ʼآمل أن نتوصل إلى ما يخدم الشعب ونستفيد من التجارب السابقةʻ".

وروى الرئيس بارزاني تفاصيل رده على صدام بالقول "قلت له أشكرك سيادة الرئيس، أنا أيضا أشكرك وأقدر دورك في 11 آذار (اتفاقية الحكم الذاتي) ولكن أعرف أيضا ماذا حصل بعد 11 آذار، أنا جئت عبر بحر من الدماء إلى بغداد، ومصلحة الوطن تطلبت أن اسبح في هذا البحر".

وأشار إلى انه أبلغ صدام حينها أنه "إذا كان هناك استعداد للتوصل إلى اتفاق بحيث أن الاتفاق هو الذي يدافع عن نفسه، فأهلا وسهلا، وإذا كان الاتفاق هزيلا فانا غير مستعد أن أدافع يوما واحدا عن هذا الاتفاق أمام شعبي، فان الذي فقدناه أعز بكثير مما هو باقٍ لدينا، ويجب ايضا أن أعرف مصير المفقودين".

وقال الرئيس بارزاني "عندما قلت له أريد أن اعرف مصير المفقودين، لم يستطع (صدام) النظر في عيني، وبعدها قال ʼلقد حصلت أمور يا ليتها لم تحصلʻ"، مؤكدا أن صدام ابلغه كذلك في حينها أنه عندم يحصل اتفاق سيخرج الباقون أما الذين "لم يبقوا فيجب أن نتعاون لمعالجة آثار ذلك".

وعندما سئل عن المقارنة بين صدام وعبد الكريم قاسم من ناحية الرغبة بالصلح، قال الرئيس بارزاني "اعتقد أن صدام لا أحد ممن حوله بوسعه أن يجرؤ أن يقدم له مشورة، هو كان يتصرف بقناعته، وهذا ما لاحظته عليه أخيرا، لا اعتقد أن يأخذ مشورة من أحد، ربما أنا مخطئ لكن هذا ما لاحظته".

مصير صدام

أعرب الرئيس بارزاني عن اعتقاده بأن صدام ربما يقدم على الانتحار لتسجيل تاريخ لنفسه، وقال "لكن عندما رأيته كيف يخرجوه من الحفرة بهذه الطريقة، سقط من عيني".

وأكد الزعيم القومي أن "موقف الكورد كان موقفا شريفا، وكان موقفا مشرفا وإنسانيا ولم يبدوا شماتة... صدام هو المسؤول عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق كل الشعب العراقي، وبحق جيران العراق كافة، واعتقد انه ما كان ينبغي أن يعدم في العيد" في إشارة إلى عيد الأضحى.

وتابع "هذا كان خطأ.. كان يجب أن يعدم قبل العيد أو بعده وليس في أيام العيد".

وسُئل الرئيس بارزاني فيما لو كانت عملية إعدام صدام في صبيحة العيد "مقصودة"، فقال "سمعت أن هناك محاولة لاختطافه وتهريبه" من السجن "لكن في الحقيقة لم أتابع الموضوع" عن كثب.

ولدى سؤاله عن شعوره بنهاية صدام، قال الرئيس بارزاني "شعرت أن الله ينتقم من الظالمين، أصبح لدي إيمان مطلق بان الله يمهل ولا يهمل".

وقال الرئيس بارزاني إنه "بعد سقوط صدام كان الهدف هو بناء عراق جديد، وتصورنا أن الكورد سيتمتعون فيه بحقوقهم إلى جانب المكونات الأخرى.. ونبني عراقا جديدا يشعر المواطن فيه بأمان ويشعر المواطن أن لديه وطن ويشعر بواجباته تجاه وطنه، ويحصل على حقوقه".

مشاركة الكورد في بغداد

سأل المذيع الرئيس بارزاني فيما لو كانت مشاركة الكورد بالحكومة المركزية بعد سقوط النظام السابق خطأ، فرد عليه الرئيس بالقول "في ذلك الوقت لا اعتقد انه كان خطأ، وكان هو القرار الأصلح في تلك المرحلة"، لافتا إلى أن برلمان كوردستان هو من اتخذ القرار.

وقال "لم يكن هناك من معترض".

وسرد الرئيس بارزاني مراحل عديدة من النضال التحرري، وقال "في زمن جورج بوش الأب قالوا لنا بأن قواتنا ستنسحب وسيبقى مركز تنسيق في زاخو وإذا هاجمتكم الحكومة العراقية سوف نرد وسنضربهم، أما إذا أنتم من هاجم الحكومة العراقية فسوف لا نتدخل. كانت هذه رسالة واشنطن".

ومضى يقول "وبعد أن جاء (بيل) كلينتون للرئاسة الأمريكية، فقد طرأ تغيير على الرسالة لتصبح بأنكم إذا هاجمتم الجيش العراقي فنحن سوف لا نتدخل، وإذا هاجموكم فسنتدخل في الزمان والمكان اللذين نحددهما نحن"، وأكد الرئيس بارزاني أن تلك الرسالة لم تكن معقولة بالنسبة للكورد.

مراحل قبل سقوط صدام

قال الرئيس بارزاني "قبل السقوط ذهبنا إلى واشنطن في زيارة غير معلنة، وعندما توصلنا إلى قناعة أن هناك فعلا قرارا بإسقاط النظام، قلنا لهم إذا كنتم جادين في ذلك فنحن أيضا جادون، نحن نريد التخلص من هذا النظام، ونريد أن تأتينا فرصة نبني من خلالها عراقا جديدا يشعر المواطن فيه بحقوقه وواجباته".

وتابع الرئيس بارزاني قائلا "قالوا لنا: نعم نحن جادون، وفعلا نحن اقتنعنا بان هناك قرارا سواء كنا معهم أو بدونهم فان سوف يسقطون النظام، وقالوا ما هو اقتراحهم، قلنا يتعين عقد مؤتمر لكل المعارضة العراقية لإبرام اتفاق حول كيفية بناء العراق الجديد، قالوا لنا هذه فكرة جيدة".

وقال "بعدها عُقد مؤتمر لندن في (كانون الأول) ديسمبر 2002، وصار في مؤتمر لندن اتفاق على عراق المستقبل كيف نبنيه وكيف نملأ الفراغ فيه، ولكن في اليوم الأخير من المؤتمر، شممت رائحة الانتقام.. قلت لهم يا إخوان، ولو نحن حاليا بصدد صياغة البيان، لكن اعطوني مجال لألقي كلمة، وكان الجميع موجودا، فالقيت الكملة.. ربما غيري لا يجرؤ قول هذا الكلام، أنا حاربت الدكتاتورية وحاربت النظام في كل عمري، وفقدت 37 فردا من عائلتي، بينهم إخوتي وأولاد إخوتي وأبناء عمومتي وثمانية آلاف فرد من عشيرتي و180 الفا من القومية التي انتمي إليها".

وأضاف "إذا افكر بعد سقوط النظام في قتل 37 واحدا من عائلة صدام وثمانية آلاف فرد من منطقة تكريت و180 الفا من الطائفة التي ينتمي اليها، فماذا سيتبقى في هذا البلد، أفضل شيء يا إخوان تعالوا نتفق على قائمة (تحوي) الفا او الفين من المجرمين يقدمون إلى المحاكم وينالون عقابهم".

وقال "أما الباقي فليعش في البلاد ونفتح صفحة جديدة، استفيدوا من تجربة الإقليم، نحن فتحنا صفحة جديدة، علما أن هناك عددا كبيرا من الكورد كانوا مرتزقة لدى صدام وحاربونا، لكن فتحنا صفحة جديدة وأصبحوا مواطنين صالحين، ويقومون بواجبهم تجاه الوطن، وانتهت المشكلة".

حين سُئل الرئيس بارزاني عن ملف اجتثاث البعثيين، قال "أنا ضد اجتثاث البعث بشكل مطلق لكن لست ضد اجتثاثهم سياسيا، إنما المجرمون الذين ارتبكوا جرائم يجب أن ينالوا جزاءهم العادل، أما الآخرون فلا تحاربوهم في رزقهم، وكنت ضد قطع الأرزاق عن أي شخص".

"بريمر يجهل المنطقة وصلف"

قال الرئيس بارزاني إن الحاكم المدني في العراق بول بريمر "شخص لا يعرف عن المنطقة، ويجهل وضعها بشكل كامل، والخطأ الآخر انهم (الأمريكيون) وضعوا مقرهم في القصر الجمهوري، بينما كان يفترض أن تشغله أي جهة تمثل العراق في ذلك الوقت، مثل مجلس الحكم".

وتحدث الرئيس عن تفاصيل اللقاء مع بريمر بالقول "عقدنا اجتماعا معه وقال: أنا أمثل الشرعية الدولية، وامثل رئيس الولايات المتحدة وهناك قرار من مجلس الأمن يقضي بالاحتلال، والاحتلال كلمة بغيضة عليكم التعايش معها، وانا أمثل الشرعية وانا أصدر القرارات، وانا املك كل الصلاحيات".

ولفت الرئيس بارزاني إلى أن بريمر قال أيضا إنه قرر تشكيل لجنة استشارية وأبلغهم بأنه لن يأخذ بكل المقترحات والآراء التي تقدمها اللجنة.

ووصف الرئيس بارزاني بريمر بانه "صلف".

"لم أعمل مستشارا لأحد"

وفي معرض سرده لواقعة اللقاء مع بريمر، قال الرئيس بارزاني "قلت له أنا أمثل نفسي لكن بالنسبة ليك عليك أن تجرب وضعك كيف يمكن أن تبني دولة وتعيد بناء مؤسسات الدولة وهذا امر متروك لك"، مردفا "قلت له أنا مقري في أربيل وفي حياتي لم اعمل مستشارا لأحد، إذا احتجتني فانا موجود في أربيل".

وأضاف انه بعد هذه المداخلة قاطعه بريمر لنحو شهرين، وتابع "لم يقاطعني فحسب بل أراد استفزازي في كثير من التصرفات ولقد تصديت له... بعدها جاء (إلى أربيل) وبدأ يكرر الزيارات وكأنه لم يحصل شيء".

وأكد الرئيس بارزاني أنه تم وضع اسمه ضمن الأعضاء المتناوبين على الرئاسة في مجلس الحكم، وقال "لم يكن لدي علم بذلك، ورفضت ذلك في بادئ الأمر".

وأضاف "لكن رأيت أن فيه شخصيات محترمة... وقلت لهم احتراما لكم أوافق ضعوا اسمي" مبينا أن رفضه ربما سيجعل أصدقاءه في المجلس يأخذون عنه تصورا آخر عنه.

وقال "دوري جاء في شهر نيسان وذهبت، وكان هدفي أن ابقى يومين إلى ثلاثة أيام، وبعدها أعود، ومن يأتي بعدي فهو سيستلم المهمة، وفي الليلة التي كنت في بغداد حصلت أحداث الفلوجة، وصرت محرجا جدا فيما لو قررت ترك أصدقائي واخواني وزملائي، ربما يتصورون شيئا آخر، فبقيت إلى نهاية الشهر".

مجلس الحكم

استذكر الرئيس بارزاني ما جرى من حديث بينه وبين سكرتير مجلس الحكم، فقال "قلت له كيف تتخذون القرارات هنا، قال نتخذها هنا ونرسلها إلى بريمر، إما أن ينقضها أو يوافق عليها، وقلت له: لحد الآن كم قرار متخذ وكم قرار مرفوض، قال لي أصدر المجلس 113 قرارا لكن بريمر نقض 97 قرارا".

ولفت الرئيس بارزاني إلى انه أبلغ بريمر بانه لن يبقى في بغداد دقيقة واحدة إذا تم التوقيع على قرار وتم رفضه من قبل الحاكم المدني، مضيفا "وعدني وفعلا لم ينقض أي قرار".

مجلس الحكم وما تلاه

قال الرئيس بارزاني إن "الوضع في مجلس الحكم لو قورن بما تلاه فانه كان أفضل بكثير".

وعندما سئل عما إذا كان المجلس قد شرعن الطائفية، قال الرئيس بارزاني "كلا، كان فيه احترام متبادل بين الأعضاء من تشاور وقرارات بالإجماع، ولكن بدون صلاحيات، كانت الصلاحيات بيد بريمر، إلا أن المجلس كان منسجما ويشعر بالمسؤولية ويتصرف بها".

وأكد الرئيس بارزاني أن "كل الدول العربية كانت متحفظة (على مجلس الحكم)"، لكنه نوه إلى أن الإيرانيين هم أول من بارك للمجلس إلى جانب دول أوروبية عديدة وليس جميعها.

استفتاء الاستقلال

سئل الرئيس بارزاني عن الاستفتاء وسعي الكورد للاستقلال عن العراق في اليوم التالي من إجرائه، فقال "قبل الاستفتاء وبعده لم نقل يوما بأننا سنعلن الاستقلال في ثاني يوم، قلنا انه فرصة لشعب كوردستان بأن يعبر عن رأيه، وندخل في حوار مع بغداد، ويجب أن نتوصل إلى نتائج بالحوار وبطريقة سلمية، هذا كان الهدف".

وتابع "بالنسبة لي الانتصار الكبير هو النسبة الكبيرة التي صوتت صالح الاستفتاء، ولم أكن أتوقع أن 93 بالمئة من أبناء شعب كوردستان يصوتون بنعم للاستفتاء. عندي كان هذا أكبر انتصار".

وبيّن أن "كثيرا من الدول أعرب قبل الاستفتاء، عن مواقف إذا لم تكن مؤيدة فهي لم تكن معارضة، إلا انهم تخلوا عن وعودهم، أستطيع القول الكل بدون استثناء" تخلوا عن وعودهم، وأكد أن الاستقلال حق والمهم أن يراه الجيل الحالي أو الجيل الذي يليه أو الذي يليهما.

وقال الرئيس بارزاني "أنا مطمئن على الشعب الكوردي لأنه اثبت انه لن يستسلم للظلم أبدا".