بعد 37 عاماً من الصمت.. ناجية من الأنفال تروي لـ كوردستان 24 كيف طاردت جلادها وقادته إلى العدالة

أربيل (كوردستان 24)- في قصة تتجاوز حدود الدراما السينمائية، كتبت امرأة كوردية فصلاً جديداً في سجل العدالة لضحايا الأنفال.

السيدة فضيلة مصطفى، الناجية من معسكر الموت في "نقرة السلمان" بمحافظة السماوة في جنوب العراق، لم تدع أهوال الماضي تدفن الحقيقة، بل حولت ذاكرتها المثقلة بالرعب إلى وقود لإرادة من حديد، قادتها في رحلة بحث استمرت 37 عاماً، وانتهت بالقبض على أحد أبرز مجرمي الأنفال، المعروف بلقب "عجاج".

في لقاء حصري مع كوردستان 24، تفتح فاضلة، التي وصفها مراسلنا بأنها "مثال لشجاعة المرأة الكوردية"، صفحات من تاريخ مروع، وتكشف تفاصيل مذهلة عن رحلتها الطويلة والشاقة لتحقيق العدالة.

ذكريات من الجحيم: "رأيت الكلاب تنهش جثة أخي"

تبدأ قصة فضيلة من داخل أسوار سجن نقرة السلمان، أحد أبشع معتقلات نظام البعث، حيث عاشت وعائلتها فصولاً من التعذيب والإذلال لا يمكن تصورها.

تروي بصوت ثابت رغم مرارة الذكرى: "ما مرّ علينا في نقرة السلمان لم يكن قليلاً. كنا نواجه الموت كل يوم".

لكن المشاهد الأكثر رسوخاً في ذاكرتها كانت تلك التي طالت أقرب الناس إليها. "رأيت بأم عيني الكلاب تنهش جثة أخي بعد أن مات من الجوع والمرض والتعذيب. أخرجوه ورموه في العراء، وفي الصباح عندما ذهبنا لدفنه، وجدنا الكلاب قد مزقت أحشاءه وأكلتها".

ولم تكن هذه هي المأساة الوحيدة. تصف فضيلة كيف أن المجرم "عجاج" قتل أختها الرضيعة "ماهيرة"، التي لم تتجاوز الستة أشهر، أمام عينيها وعيني والدتها. "جاء عجاج في الصباح، وكان يضرب الجميع بالعصا. انتزع أختي من حضن أمي ورطمها بالأرض، ففارقت الحياة على الفور".

رحلة البحث عن "عجاج": 37 عاماً من المطاردة

رغم كل هذه الأهوال، لم تستسلم فضيلة لليأس. تقول: "لم أتوقف لحظة واحدة. كنت أبحث باستمرار عن أي خيط يقودني إلى أحد ضباط أمن القلعة".

وبعد سقوط النظام عام 2003، بدأت رحلتها تأخذ منحىً عملياً. ذهبت إلى نقرة السلمان وجمعت رفات أخيها لتدفنها من جديد. لكن هدفها الأسمى كان العثور على "عجاج".

بدأت رحلة البحث السرية التي استمرت سنوات. علمت أنه يسكن في مدينة الرميثة بمحافظة المثنى.

تروي كيف كانت تسافر سراً مع زوجها وتراقب منزله من بعيد. وتقول: "في 16 مايو من العام الماضي، ذهبت مع زوجي واثنين من المواطنين العرب العراقيين الذين ساعدوني، وتوجهنا إلى منزله. وعندما خرج، تعرفت عليه فوراً".

المواجهة والاعتراف

كانت لحظة المواجهة حاسمة. تقول فضيلة: "اقتربت منه وقلت له: هل تعرف من أنا؟ لقد جئت لأطالب بدم أخي وأختي. أنا فضيلة، ابنة أبو مصطفى". وبحسب روايتها، فقد انهار "عجاج" واعترف فوراً بجرائمه.

بعد القبض عليه وتسليمه للسلطات، اعترف "عجاج" تفصيلياً بالجرائم التي ارتكبها.

تقول فضيلة: "تحدثت معه لمدة أربع دقائق، واعترف بكل شيء من الألف إلى الياء، من أصغر جريمة إلى أكبرها".

لم تقتصر جرائم "عجاج" على عائلة فضيلة. فقد اعترف أيضاً باختطاف فتاة كوردية من قرى كرميان، لا يزال مصيرها مجهولاً حتى اليوم.

صرخة من أجل العدالة

اليوم، وبعد أن وضعت نهاية لمطاردة استمرت لعقود، لا تطلب فضيلة سوى شيء واحد: العدالة.

تقول بصوت يملؤه الإصرار: "مطلبي هو أن تتم محاكمته محاكمة عادلة، وأن لا يتم إيجاد مخرج له. بإذن الله، سيحدث ما هو أفضل".

قصة فضيلة ليست مجرد حكاية انتقام شخصي، بل هي شهادة حية على إرادة البقاء، وصرخة مدوية في وجه النسيان، وتذكير دائم بأن جرائم الإبادة الجماعية لا تسقط بالتقادم، وأن سعي الناجين لتحقيق العدالة لن يتوقف.

وتُعد نقرة السلمان واحدة من أبشع أماكن الاحتجاز التي استخدمها النظام العراقي السابق لاحتجاز الكورد وقبلها السجناء السياسيين العراقيين، حيث تحولت في سنوات الأنفال إلى مسرح للإعدامات الجماعية والتجويع والتعذيب.

وتبقى شهادات الناجين مثل شهادة فضيلة مصطفى شاهدًا حيًا على جريمة لم تُمحَ من ذاكرة الكورد بعد أكثر من ثلاثة عقود.