فخ الموازنة: كيف تُقلص بغداد حصة إقليم كوردستان عبر "الحيل القانونية"؟

اربيل (كوردستان24) -  "أهلاً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج (باسی روژ - حديث اليوم). بين يديّ اليوم تقرير ليس مجرد أوراق عادية، بل هو وثيقة رسمية صدرت عن دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة إقليم كوردستان. هذا التقرير يكشف بالأرقام والبيانات ما يمكن وصفه بـ (الحيل أو الفخاخ القانونية) التي نصبتها الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2005 لتقليص المستحقات المالية وحصة الإقليم من الموازنة العامة. كيف يتم التلاعب ببنود 'النفقات السيادية'؟ وما هي قصة الديون التي يدفع الإقليم ثمنها أضعافاً مضاعفة؟ وما هو أثر 'الإنفاق الفعلي' على رواتب الموظفين؟ لمناقشة هذه الملفات الشائكة، يسعدنا أن نستضيف رئيس دائرة الاعلام والمعلومات في حكومة إقليم كوردستان، الدكتور جوتيار عادل."

كوردستان24: دكتور جوتيار، التقرير يتحدث عن "غدر مالي" ومخالفات دستورية وقانونية طالت حصة الإقليم لسنوات. كيف اكتشفتم هذه الأرقام، وما الذي يجعله مختلفاً هذه المرة؟

د. جوتيار عادل: تحية لكِ وللمشاهدين. في الواقع، هذا التقرير ليس مجرد آراء، بل هو تحليل تقني وقانوني دقيق استندنا فيه إلى قانون الموازنة العراقي لعام 2023، وقارناه بالبيانات المالية المسجلة منذ عام 2005 وحتى يومنا هذا. ما وجدناه هو 'منهجية' متبعة من قبل الحكومات الاتحادية المتعاقبة لتقليص حصة شعب كوردستان بشتى الطرق، والأخطر أنهم قاموا بـ 'تشرعنة' هذا التقليص ووضعه في قوالب قانونية داخل نصوص الموازنة، لتبدو وكأنها إجراءات دستورية وهي في الحقيقة تخالف الدستور تماماً.

النفقات السيادية.. "الثقب الأسود" الذي يلتهم حصة كوردستان في الموازنة.

كوردستان24:  لنبدأ من النقاط الجوهرية. التقرير يشير إلى مخالفة صريحة للمادة 121 من الدستور في آلية احتساب حصة الإقليم. أين يكمن التلاعب تحديداً؟

د. جوتيار عادل: الدستور العراقي في المادة 121 (الفقرة الثالثة) ينص بوضوح على أن توزيع الحصص المالية للأقاليم والمحافظات يجب أن يعتمد على 'الإيرادات' (الداخلة للخزينة)، مع مراعاة النسبة السكانية والاحتياجات. لكن ما تفعله بغداد هو العكس تماماً؛ فهم يعتمدون على 'النفقات' كأساس للاحتساب. هم يضخمون النفقات التي يسمونها 'سيادية'، ثم يقتطعونها من الموازنة الكلية، وما يتبقى (وهو الفتات) يتم توزيعه كحصص. هذا التفاف قانوني يحرم الإقليم من مليارات الدنانير سنوياً.

تضخم النفقات السيادية بنسبة 400%.. أداة بغداد لتقليص أموال الإقليم.

كوردستان24: بالحديث عن "النفقات السيادية"، التقرير يشير إلى زيادة مخيفة بنسبة 400% منذ عام 2005. كيف يتم استغلال هذا البند ضد الإقليم؟

د. جوتيار عادل: هذا هو "الفخ الكبير". في عام 2005، كانت النفقات السيادية تبلغ حوالي 10 تريليونات دينار من إجمالي موازنة قدرها 36 تريليوناً. اليوم، قفزت هذه النفقات لتصل إلى 48 تريليون دينار!

الأدهى من ذلك، أنه بين عامي 2018 و2021، تمت إضافة 81 بنداً جديداً تحت مسمى 'نفقات سيادية'. بغداد تضع مصاريف لوزارات وهيئات غير سيادية ضمن هذا البند لتضمن استقطاعها من الموازنة الكلية قبل وصول أي دينار للإقليم. النتيجة هي معادلة عكسية: كلما زادت النفقات السيادية (التي تتحكم بها بغداد)، انخفضت حصة الإقليم والمحافظات تلقائياً.

كوردستان24: هناك رقم صادم في التقرير حول القروض والديون، حيث تقولون إن الإقليم مقابل كل دولار يتسلمه، يطالب بدفع 26 دولاراً كديون. كيف يعقل ذلك؟

معادلة الظلم المالي: الإقليم يتسلم دولاراً واحداً من القرض ويُجبر على سداد 26 ضعفاً.

د. جوتيار عادل: نعم، هذه الأرقام موثقة في الصفحة 11 من التقرير. العراق يقترض مبالغ هائلة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وجهات أخرى. الإقليم لا يتسلم من هذه القروض سوى مبالغ ضئيلة جداً (على سبيل المثال حصلنا على 47 مليون دولار فقط من أصل مليارات). ولكن، عندما يحين وقت السداد، تقوم بغداد باستقطاع نسبة 12.67% من موازنة الإقليم الكلية لسداد تلك القروض وفوائدها! الحسبة بسيطة ومؤلمة: الإقليم يتلقى دولاراً واحداً من القرض، ويُجبر على سداد 26 دولاراً من حصته في الموازنة لسداد ديون لم يستفد منها أصلاً في مشاريع إعمار أو تنمية داخل الإقليم.

بغداد تلتف على المادة 121: احتساب حصة الإقليم على "النفقات" بدلاً من "الإيرادات".

منذ عام 2005.. منهجية متبعة في موازنات العراق لتقليص استحقاقات شعب كوردستان.

كوردستان24: وصف التقرير "الإنفاق الفعلي" بأنه "فخ الإنفاق" أو عقوبة جماعية. لماذا يمثل هذا البند تهديداً لرواتب موظفي الإقليم؟

د. جوتيار عادل: "الإنفاق الفعلي" هو بدعة ماليّة بدأت منذ 2014. بغداد تقول للإقليم: "لن نعطيكم حصتكم بناءً على الأرقام المثبتة في قانون الموازنة، بل بناءً على ما يتم صرفه فعلياً في وزاراتنا".

وهنا يكمن الفخ؛ فإذا فشلت وزارة في بغداد أو البصرة في تنفيذ مشاريعها أو تعطل الإنفاق هناك لأي سبب إداري، يتم تقليص موازنة إقليم كردستان فوراً وبشكل آلي. نحن نُعاقب على سوء الإدارة في مناطق أخرى! هذا جعل رواتب موظفينا رهينة لأداء دوائر في بغداد، وهو أمر غير قانوني ولا أخلاقي.

ديون لا يستفيد منها الإقليم ويتحمل سدادها.. مفاجآت صادمة في وثيقة "الغدر المالي".

كوردستان24: لماذا وافق الكورد أو سكتوا عن هذه البنود طوال هذه السنوات رغم وجود وزراء مالية كورد في بغداد؟

د. جوتيار عادل: الموضوع لم يكن سكوتأ بقدر ما كان صراعاً طويلاً ومفاوضات مستمرة. بغداد كانت دائماً تفرض هذه الشروط وتؤجل الحلول أو ترحلها. أولويتنا كانت دائماً تأمين الرواتب، وهذا الضغط جعلنا أحياناً نركز على الحلول العاجلة، لكننا الآن أمام واقع يفرض علينا مراجعة شاملة وتثبيت الحقوق قانونياً ودستورياً.

استقطاع 12.67% من موازنة كوردستان لسداد ديون دولية "لم تصله أصلاً".

"الإنفاق الفعلي".. عقوبة جماعية تحول رواتب موظفي الإقليم إلى رهينة لأداء وزارات بغداد.

لماذا تربط بغداد مستحقات كوردستان بفشل وزاراتها في المحافظات الأخرى؟

كوردستان24:  ما هي خطواتكم القادمة؟ هل ستذهبون للمحكمة الاتحادية؟ وماذا عن "التعداد السكاني" المرتقب؟

د. جوتيار عادل: نحن الآن بصدد مراجعة شاملة. تم تشكيل لجنة مفاوضات عليا برئاسة وزير المالية. نحن نعول كثيراً على التعداد السكاني في أكتوبر 2024؛ لأنه سيفشل حجة "النسبة التقديرية" ويثبت حقنا في نسبة الـ 14.1% بشكل قطعي. رسالتنا واضحة وهي أن الموازنة يجب أن تبنى على الدستور، لا على "الفخاخ". نحن لا نطلب "صدقة" من بغداد، بل نطلب حقنا المستحق من إيرادات البلاد التي يساهم فيها الإقليم بإنتاجه والتزامه.

كوردستان24: دكتور جوتيار عادل، المتحدث باسم حكومة إقليم كردستان، شكراً جزيلاً لك على هذه التوضيحات. وشكراً لكم أعزائي المشاهدين على متابعة هذه الحلقة. طاب مساؤكم.