تحديات الرعاية الصحية للأمومة والطفولة في ظل القيود الراهنة في أفغانستان

أربيل (كوردستان24)- لم تعد "بروانة" تتعرف على أطفالها؛ هي التي كانت تُعرف بجمالها في قريتها بولاية قندهار. تجلس هذه المرأة البالغة من العمر 36 عاماً على أرضية منزل والدتها، تهتز بصمت. فبعد تسع حالات حمل وست حالات إجهاض، كان الكثير منها تحت ضغط من زوجها وعائلته، انزلقت بروانة في حالة من الذهول والتشوش الدائم.

تقول والدتها شريفة: "إنها تائهة، لقد حطموها بالخوف والحمل المتكرر والعنف".
منذ أن بدأ سريان حظر طالبان غير الرسمي لوسائل منع الحمل في جميع أنحاء أفغانستان عام 2023، انهار نظام الصحة الإنجابية في البلاد؛ حيث اختفت الوسائل، وأُغلقت العيادات، وتُركت المضاعفات الطبية دون علاج.

لم يُعلن الحظر رسمياً، ولكن بحلول أوائل عام 2023، أفاد أطباء وقابلات في محافظات عدة بتكرار النمط نفسه: وصول الإمدادات متأخرة، ثم بكميات شحيحة، ثم انقطاعها تماماً.

"إذا رأيناكم تُعطون هذه الأدوية للنساء مرة أخرى، فسنغلق عيادتكم"

في مقابلات مع صحيفتي "الغارديان" و"زان تايمز"، روت نساء من سبع محافظات الصدمات نفسها: حالات حمل لا يمكنهن منعها، وحالات إجهاض لا يجدن سبيلاً لعلاجها، وعنف منزلي لا مفر منه.

تقول "شكيبة" (42 عاماً)، وهي أم لاثني عشر طفلاً من مدينة قندهار، إنها لا تستطيع النهوض دون أن يُغمى عليها؛ إذ يتساقط شعرها بغزارة، وتؤلمها عظامها باستمرار. وهي الآن حامل مرة أخرى، فعيادتها المحلية لم تعد توفر وسائل منع الحمل، وزوجها يمنعها من الحصول عليها من أي مكان آخر.

وفي منطقة جوزجان الريفية، شمال أفغانستان، يقول طبيب يدير عيادة منذ ثلاثة عقود إن الاختفاء كان سريعاً: "بعد وصول طالبان، بدأ مخزون وسائل منع الحمل يتناقص، وفي غضون أشهر، اختفى تماماً". ويضيف: "في السابق، كانت 30 امرأة على الأقل من أصل 70 يترددن على العيادة يحتجن إلى وسائل منع الحمل، أما الآن، فنقول لهن: ليس لدينا شيء".

ينتظر نحو 13 شخصاً خارج كوخ خرساني بسيط يعلوه سلك شائك في منطقة صحراوية قاحلة. يرتدي الرجال "الشلوار قميص" والعمائم، بينما ترتدي النساء البرقع.

وفي ولاية بادغيس الشمالية، يقول طبيب في عيادة خاصة إن مقاتلي طالبان اقتحموا المكان وأمروا العاملين بإتلاف جميع وسائل منع الحمل: "قالوا لنا: إذا رأيناكم تعطون هذه الوسائل للنساء مرة أخرى، فسنغلق عيادتكم؛ فتوقفنا فوراً".

 

سوء التغذية

قبل عامين، وبعد أن تسبب زلزال في نزوح "زارغونة" (29 عاماً) وعائلتها إلى خيمة، عانت من مضاعفات صحية منعتها من قضاء حاجتها لثلاثة أيام، مما أدى لانسداد معوي خطير. أجرى لها الجراحون عملية طارئة، وحذروا زوجها بوضوح من أن أي حمل آخر قد يودي بحياتها.

بعد عام من الجراحة، وفي ظل غياب وسائل منع الحمل وإصرار زوجها على إنجاب ابنة، حملت زرغونة مجدداً. أمضت تسعة أشهر في رعب، وحاولت إنهاء الحمل باستخدام الأعشاب والزعفران، ولم تتمكن من زيارة الطبيب لمتابعة الحمل إلا مرة واحدة.

عندما داهمتها آلام المخاض، أخبرها الأطباء في مدينة هرات أن الولادة (سواء القيصرية أو الطبيعية) تنطوي على مخاطر جسيمة قد تؤدي للوفاة. نجت زرغونة، لكنها لا تزال تعاني من نزيف مستمر وألم دائم رغم مرور أسابيع على الولادة. ويؤكد الأطباء ضرورة عدم حملها مجدداً، ومع ذلك، لا تتوفر حقن أو حبوب منع حمل في منطقتها. تقول بأسى: "ما زلت مرعوبة، ليس لدي أي وسيلة لحماية نفسي".

وفقاً للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، أُغلق أكثر من 440 مستشفى وعيادة أو قُلصت خدماتها منذ قطع التمويل الدولي العام الماضي. وبالنسبة للنساء في المناطق الريفية، يعني إغلاق العيادات السير لساعات طويلة أو الولادة في المنزل وحيدات. وفي القرى المعزولة بالجبال، تقول القابلات إن النساء قد ينزفن لأيام قبل أن يتمكنّ من الوصول إلى عيادة.

لقد أصبحت أزمة الصحة الإنجابية جزءاً لا يتجزأ من الأزمة الاقتصادية في أفغانستان. تُقدّر طبيبة في ولاية جوزجان أن 80% من النساء الحوامل والمرضعات اللاتي تعالجهن يعانين من سوء التغذية.

العنف المنزلي

كما يتكرر العنف المنزلي في شهادات النساء كسبب للإجهاض ووسيلة للسيطرة في منازل لا تستطيع فيها المرأة الهرب أو البحث عن مأوى. في قندهار، تروي "ريحانة" كيف أُجبرت أختها "سكينة"، وهي أرملة شابة، على الزواج من شقيق زوجها المتوفى، وعندما اعترضت، تعرضت للضرب المبرح: "في كل مرة كانوا يضربونها فيها، كانت تنزف، حتى فقدت جنينها".

وتؤكد "حميدة"، وهي قابلة في جناح ولادة مكتظ بقندهار، أن العنف أحد الأسباب الرئيسية للإجهاض: "كل 24 ساعة، نشهد أكثر من 100 ولادة، ويحدث حوالي ست حالات إجهاض يومياً؛ الكثير منها بسبب الضرب، أو بسبب إجبار النساء على حمل أثقال تفوق طاقتهن".

"ثريا" (35 عاماً)، التي أُغلقت عيادتها المحلية، تنتظر الدواء في "جاغوري" وتقول: "الآن لا أذهب إلى الطبيب إلا إذا كنت مريضة جداً، بينما كنت في السابق أمشي ساعة كاملة للوصول إلى العيادة". أما "حميرا" (38 عاماً)، فتقول إنها تناولت حبوب الإجهاض سراً عندما علمت أنها حامل بـأنثى: "كان زوجي يريد ولداً، ولو أنجبت بنتاً أخرى لضربني أو طلقني".

تتكرر هذه المأساة لدى نساء أخريات في قندهار وجوزجان، حيث وصفن حالات إجهاض قسري أو ذاتي نتيجة سوء المعاملة بعد أن أظهرت فحوصات الموجات فوق الصوتية أن الجنين أنثى. وفي ولاية غور، تقول فتاة (15 عاماً) إنها أجهضت بعد حملها عبوات ماء ثقيلة صعوداً إلى تل منحدر: "كنت أشعر بالخجل من إخبار أحد، وعندما رأتني أمي، كان الأوان قد فات".

وفي منطقة نائية بولاية هرات، تقول "شمسية" (38 عاماً) إنها عملت في البناء وصناعة الطوب طوال فترة حملها: "أجبرتني حماتي على إرضاع طفلها أيضاً، كنت أضعف يوماً بعد يوم". وعندما أخبرها الطبيب بحاجتها لنقل دم، رفضت عائلتها ذلك بدعوى أنه "حرام".

قبل الحظر غير الرسمي، كانت العيادات الريفية تعقد جلسات منتظمة للتوعية بتنظيم النسل، أما الآن فقد توقفت تماماً. يقول أحد الأطباء: "لا جدوى من التوعية في ظل غياب الدواء. لم تصدر طالبان أوامر مكتوبة، لكن الخوف حقيقي؛ فإذا تحدثنا بصراحة، قد يغلقون عياداتنا للأبد".

المصدر: صحیفة غاردیان البریطانیة