جيسي جاكسون: رحيل "مهندس الأمل" ووارث أحلام مارتن لوثر كينغ
أربيل (كوردستان24)- يُعد رحيل القس جيسي جاكسون، الذي وافته المنية في السابع عشر من فبراير عام 2026 عن عمر ناهز 84 عاماً، نهاية حقبة ذهبية من النضال الحقوقي في الولايات المتحدة. لم يكن جاكسون مجرد تلميذ للزعيم الراحل مارتن لوثر كينغ جونيور، بل كان الجسر الحي الذي ربط بين تطلعات حركة الحقوق المدنية في الستينيات وطموحات التمثيل السياسي للأميركيين من أصل أفريقي في العصر الحديث. يتناول هذا التقرير مسيرة حياة حافلة بالعمل الدبلوماسي والسياسي والحقوقي لهذا الرمز التاريخي.
البدايات والنشأة: من رحم الفصل العنصري
ولد جيسي لويس بيرنز في الثامن من أكتوبر عام 1941 بمدينة غرينفيل في ولاية ساوث كارولينا، إبان ذروة نظام "جيم كرو" للفصل العنصري. كانت طفولته مرآة لتحديات اجتماعية معقدة؛ فقد وُلد لأم مراهقة وأب كان جاراً متزوجاً، مما ولد لديه شعوراً مبكراً بالنبذ، لكنه استحال وقوداً لإثبات الذات. لاحقاً، تبناه زوج والدته، تشارلز جاكسون، ليحمل اسمه الذي سيغدو علامة فارقة في التاريخ الأميركي.
برزت مواهب جاكسون مبكراً كرياضي فذ وقائد طلابي ملهم. ورغم حصوله على منحة دراسية رياضية بجامعة إلينوي، فإنه اصطدم بالعنصرية المؤسسية؛ إذ قيل له صراحةً إن "السود لا يصلحون لمركز قلب الهجوم (Quarterback)". ورداً على ذلك التمييز، انتقل إلى جامعة ولاية كارولينا الشمالية للزراعة والتقنية (NC A&T) –وهي إحدى الجامعات التاريخية للسود– حيث دشن أولى خطواته في النضال الميداني بقيادة احتجاجات ضد الفصل العنصري في المرافق العامة.
رفيق درب كينغ.. واحتواء الصدمة
انضم جاكسون في منتصف الستينيات إلى "مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية" (SCLC)، وغدا سريعاً من الدائرة المقربة لمارتن لوثر كينغ جونيور. تولى إدارة "عملية سلة الخبز" (Operation Breadbasket) في شيكاغو، وهي مبادرة اقتصادية ضغطت على الشركات لتوظيف السود ودعم مورديهم.
تمثلت اللحظة المفصلية في حياته في الرابع من أبريل عام 1968، حين شهد اغتيال كينغ في موتيل لورين بممفيس. ورغم الجدل الذي ثار حول روايته الشخصية لتلك اللحظات، استطاع جاكسون ببراعة تحويل مأساة الاغتيال إلى قوة دفع سياسية؛ إذ قدم نفسه خليفةً روحياً لكينغ، وظهر بقميصه الملطخ بالدماء ليؤكد للعالم أن "الحلم" لن يموت بموت صاحبه.
الطموح الرئاسي: كسر السقف الزجاجي
في عام 1971، أسس جاكسون منظمة "الناس المتحدون لإنقاذ البشرية" (PUSH)، مركزاً على العدالة الاقتصادية. إلا أن ذروة إنجازاته تجلت في حملتيه الرئاسيتين التاريخيتين عامي 1984 و1988. وتحت راية "تحالف قوس قزح" (Rainbow Coalition)، دعا إلى تكتل تقدمي يجمع الفقراء والأقليات والمزارعين والطبقة العاملة من مختلف الأعراق.
حصد جاكسون في عام 1984 نحو 3.5 مليون صوت، وضاعف هذا الرقم في عام 1988 ليصل إلى 7 ملايين صوت، محتلاً المركز الثاني في سباق الحزب الديمقراطي. لم تكن تلك الحملات مجرد مسعى للوصول إلى السلطة، بل كانت زلزالاً سياسياً أجبر الحزب على توسيع قاعدته والالتفات لقضايا التهميش. وقد أقر باراك أوباما لاحقاً بأن حملات جاكسون هي التي "عبّدت الطريق" لوصوله إلى البيت الأبيض بعد عقدين من الزمن.
دبلوماسية المواطن: وسيط السلام الدولي
تجاوز تأثير جاكسون الحدود الوطنية، حيث برع فيما عُرف بـ "دبلوماسية المواطن". نجح في انتزاع اختراقات في ملفات عجزت عنها القنوات الرسمية؛ ففي عام 1983، تفاوض مع الرئيس السوري حافظ الأسد لتأمين إطلاق سراح الطيار الأميركي روبرت غودمان. وفي عام 1991، زار بغداد وتفاوض مع صدام حسين للإفراج عن رهائن أجانب قبيل حرب الخليج. كما كان صوتاً مدوياً ضد نظام "الأبارتايد" في جنوب أفريقيا، وبنى علاقة وثيقة مع الزعيم نيلسون مانديلا.
الفصل الأخير والرحيل بسلام
في سنواته الأخيرة، ورغم اعتزاله الرسمي لرئاسة منظمة "قوس قزح بوش" عام 2023، ظل جاكسون أيقونة معنوية حاضرة. صارع في سنواته الأخيرة داء "باركنسون" منذ عام 2017، ثم شُخص لاحقاً بمرض "الشلل فوق النووي المترقي" (PSP)، وهو اضطراب عصبي نادر أثر على قدراته الحركية والنطقية.
توفي جيسي جاكسون في منزله بشيكاغو يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026، محاطاً بأسرته. وفي بيان نعيها، وصفته العائلة بأنه "خادم وقائد، لم يكن لعائلتنا فحسب، بل للمضطهدين والمنسيين في أصقاع الأرض كافة".
الإرث والتأثير
ترك جاكسون وراءه إرثاً عصياً على النسيان؛ فقد نقل الاحتجاج من الشوارع إلى صناديق الاقتراع، وساهم في تسجيل ملايين الناخبين الجدد. وصفه الرئيس الأسبق باراك أوباما بأنه "وطني عظيم"، بينما اعتبره جو بايدن "ضمير الأمة". ورغم ما واجهه من انتقادات، يظل جاكسون الشخصية التي زرعت في نفوس الأميركيين السود شعار "أنا كائن ذو قيمة" (I am somebody)، وهو الشعار الذي تحول إلى نشيد للكرامة والمساواة.
رحل جيسي جاكسون، لكن شعاره الأثير "أبقوا الأمل حياً" (Keep Hope Alive) سيظل يتردد في المؤسسات التي بناها، والمسارات السياسية التي شقها لأجيال من القادة الذين سيقتفون أثره.