"توري".. من أضواء "وول ستريت" إلى جحيم "مسيّرات الألياف" في أوكرانيا
أربيل (كوردستان 24)- بين ناطحات السحاب في "وول ستريت" وخنادق "باخموت" الموحلة، بونٌ شاسع لا تدركه سوى فيكتوريا هونشاروك. كانت هذه الشابة الأوكرانية، البالغة من العمر 25 عاماً، تعيش "الحلم الأمريكي" بكل تفاصيله؛ شقة فاخرة في قلب مانهاتن، وظيفة مرموقة في أحد أكبر البنوك الاستثمارية في العالم "مورغان ستانلي"، ومستقبل واعد في عاصمة المال العالمية. لكن اليوم، استبدلت فيكتوريا بذلتها الرسمية بزِيّ عسكري مموه، وحقيبة أوراقها بحقيبة إسعافات أولية، لتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع نوع جديد ومرعب من الموت: "طائرات الألياف البصرية الانتحارية".
الرحلة من الرفاهية إلى الرصاص
لم تكن فيكتوريا، المعروفة بلقبها العسكري "توري"، تتخيل يوماً أنها ستتعامل مع الدماء والأشلاء. وُلدت في بلدة "بارانيفكا" الصغيرة شمال غرب أوكرانيا، وشقّت طريقها بذكاء وطموح استثنائيين؛ من منحة دراسية في أمريكا وهي في الخامسة عشرة، إلى التخرج من جامعة "مينيرفا" بكاليفورنيا، وصولاً إلى قمة الهرم المالي في نيويورك.
تقول توري وهي تستذكر تلك الأيام: "كانت الحياة رائعة، كنت أعيش حلمي حرفياً". لكن في صبيحة الرابع والعشرين من شباط فبراير 2022، انهار ذلك العالم المثالي مع دوي أولى الانفجارات في كييف. لم تكتفِ توري بإرسال التبرعات من مكتبها المريح، بل شعرت بوخز الضمير وهي تشاهد والديها ينضمان لجيش الاحتياط. "أدركتُ أن الحياة أوسع من مجرد وظيفة ومسار مهني"، هكذا حسمت قرارها، وفي کانون الاول/ ديسمبر 2022، ودّعت مانهاتن إلى الأبد، متجهة نحو المجهول.

من الخوف إلى القيادة
رغم فوبيا الدماء والإبر التي كانت تلازمها، خضعت توري لدورة مكثفة في الطب التكتيكي لمدة أسبوع واحد فقط. وبسرعة قياسية، وجدت نفسها في قلب الجحيم في "زابوروجيا" ثم "ليمان". هناك، تحولت المصرفية الرقيقة إلى قائدة فرقة إجلاء طبي، تدير عمليات إنقاذ معقدة لمئات الجرحى أسبوعياً تحت قصف لا ينقطع.
تروي توري قصصاً تفوق الوصف عن معارك باخموت وأفدييفكا، حيث كانت سيارات الإسعاف البدائية تتسابق مع الموت لنقل المصابين بطلقات نارية أو ضحايا الألغام إلى مستشفيات ميدانية تحت الأرض. لم يكن الأمر مجرد عمل، بل كان مأساة شخصية؛ فقد فقدت توري خلال هذه الرحلة أربعة من أعز أصدقائها الذين انطلقت معهم في بداية الحرب، وهم من كانت تطلق عليهم "إخوة السلاح"
تحدي الطائرات المسيّرة
بيد أن العام الأخير من الحرب جلب معه تحدياً تقنياً غيّر قواعد اللعبة وجعل مهمة توري شبه مستحيلة. فالجيش الروسي بدأ باستخدام طائرات مسيّرة مزودة بتقنية "الألياف البصرية" (Fiber-optic drones). هذه الطائرات لا تعتمد على موجات الراديو التي يمكن التشويش عليها أو تعقبها، بل تُجر خلفها سلكاً رفيعاً من الألياف يوفر لها حصانة كاملة ضد أنظمة الحرب الإلكترونية الأوكرانية.
تقول توري بمرارة: "انتقلتُ من إنقاذ 100 جندي أسبوعياً إلى العجز التام عن الوصول إليهم. لقد خلقت هذه المسيّرات ما يشبه 'منطقة قتل' تمتد لعدة كيلومترات خلف الخطوط الأمامية. نراهم يُصابون، ونسمع صرخاتهم عبر أجهزة اللاسلكي، لكننا لا نستطيع التحرك، لأن أي محاولة إجلاء تعني انتحار الطاقم الطبي".
هذا الواقع المرير حوّل توري من مسعفة ميدانية إلى ناشطة في مجال التكنولوجيا الدفاعية. ففي مؤتمر ميونيخ للأمن الأخير، ترأست الوفد العسكري الأوكراني لتشرح لصناع القرار الغربيين وشركات الدفاع خطورة هذه الفجوة التقنية. هي تؤكد أن العمل الطبي الميداني سيبقى "بلا جدوى" ما لم يتم إيجاد حلول لرصد وتحييد هذه المسيّرات التي لا تُقهر حالياً.

جسر بين الخندق والمختبر
لم تكتفِ توري وأختها مارينا -وهي أول جندية هجومية في لواء النخبة الثالث- بالقتال الميداني، بل شاركتا في تأسيس "معهد جزيرة الأفعى" (Snake Island Institute). يهدف هذا المركز البحثي إلى سد الفجوة بين احتياجات الجنود في الجبهة وصناع القرار والشركات التقنية.
بصفتها مديرة للتقنية في المعهد، تشرف توري على "اختبارات التصادم" لأحدث الابتكارات العسكرية، وعلى رأسها "المركبات البرية غير المأهولة" (UGVs). هذه الروبوتات الأرضية، التي يتم التحكم فيها عن بُعد، تمثل الأمل الوحيد لإيصال الذخيرة وإجلاء الجرحى من "مناطق القتل" دون تعريض حياة المسعفين للخطر. وتؤكد توري أن عام 2026 سيكون "عام الروبوتات الأرضية"، حيث نفذت القوات الأوكرانية بالفعل آلاف المهام اللوجستية والقتالية باستخدام هذه الأجهزة، بما في ذلك عمليات أسر جنود روس وتفجير مواقع معادية بالكامل دون وجود بشري في الموقع.
البطولة الصامتة والبحث عن السلام
رغم كل هذا الثقل الذي تحمله، ترفض توري وصف نفسها بالبطلة. لكن بريطانيا كانت لها وجهة نظر أخرى؛ حيث يستقبل جنود "أكاديمية الدفاع البريطانية" في "شريفنهام" لوحة زيتية ضخمة لتوري وهي تجلس فوق حطام دبابة في باخموت، رسمها الفنان "ماكس دينيسون-بندر" لتكون رمزاً للإصرار الأوكراني.
في ذكرى العام الرابع للغزو، تقف فيكتوريا هونشاروك في منطقة رمادية بين ماضيها المترف وحاضرها الدامي. لقد عالجت الجرحى الأوكرانيين، وحتى أسرى الحرب الروس الذين تكنّ لهم كراهية عميقة لمقتل أصدقائها، لكنها تلتزم بأخلاقيات الطب حتى في أصعب اللحظات.
عندما تُسأل توري عما إذا كانت تحن إلى حياتها في مانهاتن، ترتسم ابتسامة باهتة على وجهها المنهك وتقول: "أشتاق لتلك الحياة من كل قلبي". لكن الحنين لا يثنيها عن مواصلة المعركة، فهي تؤمن أن روسيا لن تتوقف ما لم يتم دحرها تكنولوجياً وعسكرياً. بالنسبة لهذه المصرفية التي تحولت إلى محاربة ضد الطائرات المسيّرة، فإن العودة إلى نيويورك لم تعد حلماً، بل مكافأة مؤجلة لبلد ينتظر السلام، ولأصدقاء رحلوا وهم ينتظرون سيارة إجلاء لم تصل أبداً.
إن قصة فيكتوريا ليست مجرد قصة تضحية شخصية، بل هي تجسيد للتحول الجذري في طبيعة الحروب الحديثة؛ حيث لم تعد الشجاعة وحدها تكفي، بل أصبح البقاء للأقدر تكنولوجياً على فك شفرات الألياف البصرية والتحكم في الروبوتات القاتلة.
المصدر: صحیفة تایمز البریطانیة