ما وراء الدخان.. تأملات في أربع سنوات من الحرب التي غيّرت وجه أوروبا

أربيل (كوردستان 24) – بينما يطوي الزمان أربع سنواتٍ عجاف منذ أن أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوامره بسحق أوكرانيا وإنهائها كدولة ذات سيادة، لا تزال أصداء أكبر حريق عسكري شهدته القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية تتردد في كل زاوية من زوايا القارة. أربع سنوات من القصف والدمار لم تترك وراءها سوى ملامح مشوهة لمدن كانت تنبض بالحياة، وقرى سويت بالأرض حتى غدت أثراً بعد عين، ومبانٍ سكنية انشطرت كأنها ورق واهن تحت وطأة الصواريخ.

في خضم هذا المشهد الكارثي، الذي أجبر أكثر من تسعة ملايين إنسان على النزوح، وحرم ثلث أطفال أوكرانيا من دفء منازلهم، تبرز قصص إنسانية تتجاوز مجرد أرقام الضحايا والجرحى. إنها حكاية أربعة أوكرانيين -مسعف، وحقوقية حائزة على نوبل، وأسير حرب، وشاعرة- يقفون اليوم على أطلال سنوات الوجع، يتأملون في كيمياء الصمود، وكيف استطاعوا استمداد القوة من رحم الفناء، مؤكدين ما صدح به نشيدهم الوطني منذ اليوم الأول: "لم يمت مجد أوكرانيا ولا حريتها بعد".

فيكتور: المسعف الذي يطارد أنفاس الموتى

بدأت حكاية فيكتور، الشاب ذو الثمانية وعشرين عاماً، بعيداً عن ضجيج القنابل، وتحديداً في حقول الفراولة في بولندا. هناك، حيث كان يبحث عن حياة هادئة بعد سنوات قضاها كمسعف ميداني في حروب دونباس السابقة، تلقى الخبر الصاعق: الدبابات الروسية تجتاح بلاده. في البداية، كانت غريزة البقاء تدفعه للبقاء في أمان بولندا، لكن نداء الدم كان أقوى؛ فأخته، الوحيدة التي بقيت له من عائلته، كانت تخدم في سلاح الإشارة في قلب المعمعة. عاد فيكتور لا بدافع الوطنية وحدها في البداية، بل مدفوعاً بهاجس جنائزي مرير: "خشيت أن تموت أختي ولا يجد أحد يدفنها".

فيكتور

 

وصل فيكتور إلى مسقط رأسه ميكولايف في فجر اليوم الثاني للغزو، ليجد نفسه وسط حرب شوارع طاحنة. لم تكن الصدمة في القصف، بل في ملامح الموت الأولى؛ جندي يعرفه جيداً، ممدد برأس مشوه، نصفه مفقود تماماً. هناك، تحت ضغط الركلات التي كانت تحثه على التحرك لإنقاذ الجرحى، دفن فيكتور مشاعره وبدأ رحلة الألف جثة.

على مدار السنوات الأربع، لم يعد الموت مجرد مشهد عابر بالنسبة لفيكتور، بل أصبح رفيقاً يومياً. يتذكر بمرارة كيف تحولت مهمته أحياناً من إنقاذ الأرواح إلى جمع "بقايا" الأجساد -إصبع هنا أو رأس هناك- لتقديمها للعائلات كي تجد ما تدفنه. في عام 2023، حفرت في ذاكرته صورة امرأة حامل وطفلها ذو السنوات الخمس، اللذين قتلا بدم بارد في غارة جوية.

يعترف فيكتور بأنه كان يرى الموتى في منامه، لكنه طور "طقساً" نفسياً للحفاظ على ما تبقى من عقله: "بدأت أغلق أعين الموتى فور وصولي، حتى لا تلاحقني نظراتهم في أحلامي". ومع ذلك، لم ينجُ تماماً من "جنون الحرب"؛ ففي أوقات الهدوء، وبينما ينقل الجثث في سيارته، يتخيل أنهم ما زالوا يتنفسون، فيتوقف مراراً ليتفحص نبضاً يعلم يقيناً أنه توقف. بالنسبة لفيكتور، الحرب لم تقتله جسدياً، لكنها جعلته يدرك أن الإنسانية الحقيقية هي التي تظل تنبض خلف دروع الجنود القاسية، وأن تقبل الموت هو الطريق الوحيد لرفضه.

أولكسندرا ماتفييتشوك: ضمير أوكرانيا والحائزة على نوبل

بالنسبة لأولكسندرا ماتفييتشوك، رئيسة مركز الحريات المدنية، لم يكن الغزو مفاجأة صاعقة، بل كان نتيجة حتمية لتقاعس دولي بدأ منذ عام 2014. تتذكر أولكسندرا صباح الغزو بهدوء غريب؛ بينما كان زوجها يودع جدران منزلهما بنظرة أخيرة، كانت هي تعد الإفطار، متسائلة في سرها إن كانت ستعود يوماً لترى تلك المفاتيح التي يحملها زوجها.

تحول نشاط أولكسندرا من الدفاع عن الحقوق المدنية في وقت السلم إلى توثيق جرائم الحرب في وقت الدمار. تصف رحلاتها الخارجية الأولى بعد طرد القوات الروسية من ضواحي كييف بأنها كانت رحلة بين "واقعين متوازيين". في العواصم الغربية الهادئة، شعرت بالجنون؛ فكيف يمكن للعالم أن يستمر في المقاهي والسينما بينما يحترق وطنها؟ لم تستعد توازنها النفسي إلا عندما عادت إلى أوكرانيا، حيث تلتقي الحقائق القاسية وتتوقف الغربة النفسية.

أولكسندرا ماتفييتشوك

في عام 2022، توجت جهودها بجائزة نوبل للسلام، وهو تكريم تلقته وهي في محطة قطار بوارسو. ورغم الجدل الذي أثاره تقاسم الجائزة مع حقوقيين من روسيا وبيلاروسيا، ظلت أولكسندرا صلبة في موقفها: "الجائزة ليست للدول، بل لمن يقاوم القمع". تعبر عن امتنانها لزملائها الروس في منظمة "ميموريال" الذين يخاطرون بحياتهم لمساعدة المعتقلين الأوكرانيين، لكنها في الوقت ذاته تحمل مرارة عميقة تجاه السياسة الدولية.

تنتقد أولكسندرا بشدة غياب "البُعد الإنساني" في الحسابات الأمريكية والدولية، مشيرة إلى أن غياب "الخطوط الحمراء" الحقيقية شجع موسكو على التمادي في استهداف المدنيين. وعندما تُسأل عن أثر الحرب على قلبها، تصمت طويلاً؛ فهي ترفض السماح لنفسها بالبكاء، لأن المتضررين من الحرب يحتاجون إلى أفعالها، لا دموعها.

الرائد سيرغي مانديبولا: الناجي من غياهب الأسر

بينما كان العالم يتابع سقوط ماريوبول، كان الرائد سيرغي مانديبولا يخوض معركة البقاء في أحشاء مصانعها وشوارعها. يروي سيرغي قصصاً تدمي القلوب عن جنود احترقوا داخل آلياتهم، حيث كانت صرخاتهم تصل إلى مسامع زملائهم الذين لم يستطيعوا فعل شيء لأن المعادن كانت قد انصهرت من شدة الحرارة.

بعد محاولة فاشلة لاختراق الحصار، وقع سيرغي في الأسر، لتبدأ فصول من الجحيم في مراكز الاحتجاز الروسية، وأبرزها سجن "أولينيفكا" سيئ السمعة. هناك، لم يكن العذاب يأتي من الأعداء الغرباء فحسب، بل من "إخوة السلاح" السابقين الذين خانوا أوطانهم. يتذكر سيرغي كيف كان الحراس الأوكرانيون الموالون لروسيا يستخدمون أحزمة تحمل رموزاً سوفيتية لضرب الأسرى.

سيرغي مانديبولا

 

في سجن "بوريسوغليبسك" داخل الأراضي الروسية، تحول التعذيب إلى روتين منظم؛ صعق بالكهرباء، ضرب بالهراوات، وتجويع ممنهج أفقده 38 كيلوغراماً من وزنه حتى غدا هيكلاً عظمياً. يصف سيرغي بمرارة كيف حاول السجانون كسر إرادة الأسرى، وكيف باع البعض "وطنهم مقابل رغيف خبز" بالانضمام للقوات الروسية للحصول على الطعام.

ثلاث سنوات من العزلة لم يكسرها سوى رسالتين من زوجته، كانت إحداهما في مايو 2025 تضم صوراً لأطفاله الذين كبروا بعيداً عنه. تلك اللحظة كانت المرة الوحيدة التي سمح فيها لدموعه بالهطول. اليوم، وبعد إطلاق سراحه في سبتمبر 2025، لا يفكر سيرغي في الراحة؛ بل ينتظر إنهاء علاجه النفسي والجسدي ليعود إلى الجبهة، مستجيباً لاتصالات قائده التي لا تتوقف.

تايا نايدنكو: شاعرة في زمن "زوج شرودنغر"

تايا نايدنكو، الشاعرة والصحفية من أوديسا، لم تكن تؤمن أن الجنون سيصل بمدبريه إلى غزو شامل. في صباح الحرب الأول، طردت ابنتيها من غرفتها ظناً منها أن الخبر مجرد "هراء" وطلبت ساعتين إضافيتين من النوم. لكن هذا النوم تحول إلى يقظة دامت أربع سنوات، غيرت فيها الحرب ملامح الروح قبل ملامح الأرض.

تايا نايدنكو

 

تقول تايا إن الحرب تجعل الإنسان يعتاد على ما لا يمكن الاعتياد عليه؛ فالموت والعنف أصبحا جزءاً من نشرة الطقس اليومية. "تمطر اليوم؟ حسناً. كم عدد الطائرات المسيرة؟ 120؟ لا بأس". هذا التبلد الاختياري هو وسيلة الدفاع الوحيدة للبقاء على قيد الحياة. كشاعرة، تجد تايا صعوبة في الكتابة عن الحرب؛ فالحياة داخل المأساة تجعل من قراءتها أمراً مثيراً للاشمئزاز.

أما حكايتها مع زوجها، فهي تجسيد لسخرية القدر المريرة. زوجها، الذي لم يكن يرغب في القتال يوماً، وجد نفسه في سلاح المشاة. وفي عام 2024، انقطعت أخباره لمدة 18 يوماً، عاشتها تايا في برزخ بين الأمل واليأس. رفضت استخدام نفوذها لمعرفة مصيره، خشية أن تأتيها الحقيقة التي لا تطيقها. بدأت تطلق عليه لقب "زوج شرودنغر" -في إشارة للقطة التي تكون حية وميتة في آن واحد- وهي مزحة سوداء كانا يتشاطران الضحك عليها حين عاد، كنوع من المقاومة بالضحك في وجه القدر.

إرادة لا تعرف الفناء

في ختام هذه السنوات الأربع، يتجلى المشهد الأوكراني كلوحة معقدة من الألم والبطولة. هؤلاء الأربعة ليسوا سوى نماذج لملايين البشر الذين تعلموا كيف يعيشون في قلب الدمار دون أن يفقدوا بوصلة إنسانيتهم. فيكتور الذي يغلق أعين الموتى، وأولكسندرا التي تطارد العدالة، وسيرغي الذي نجا من الجوع والتعذيب، وتايا التي تقاوم بالسخرية السوداء؛ كلهم يشكلون "إرادة أوكرانيا" التي لم تفنَ بعد.

إن الحرب، بكل قسوتها، لم تستطع أن تقتل "الإنسان" في داخلهم. وكما قال فيكتور: "إذا أصبحت قاسيًا في الحرب، فأنت لم تكن إنسانًا حقيقيًا منذ البداية". تظل أوكرانيا صامدة، ليس فقط بفضل الصواريخ والدفاعات، بل بفضل تلك الأرواح التي ترفض أن تنكسر، وتصر على الحلم بيوم يسكت فيه أزيز الطائرات المسيرة، ليعود الموت إلى مكانه الطبيعي كحدث عابر، لا كنمط حياة يومي.

المصدر: صحیفة تایمز البریطانیة