معسكرات "إعادة التجميع" في الجزائر: قصة "مأساة منسية" من رحم حرب الاستقلال

أربيل (كوردستان 24)- بينما تُختزل حرب التحرير الجزائرية (1954-1962) في الأذهان غالباً كصراع عسكري بين "جيش التحرير الوطني" والقوات الاستعمارية الفرنسية، يبرز فصلٌ أكثر قتامة وإيلاماً بقي حبيس الأدراج لعقود: "معسكرات إعادة التجميع". 

هذا الملف، الذي تصفه الصحافية لورين روسينيول بأنه "بالغ اللاإنسانية"، يكشف عن تهجير قسري طال أكثر من مليوني جزائري، في سياسة استراتيجية وُصفت بأنها "إبادة بطيئة".

جحيم في العراء: "كنا نُعامل كالماشية"

في كتابها الصادر عن دار (أكت سود) بعنوان "مأساة مخفية من حرب الجزائر"، ترفع روسينيول الغطاء عن واقع أكثر من 2500 معسكر أقامها الجيش الفرنسي.

وتستحضر في تحقيقها شهادة "فاطمة عريج"، التي نُقلت قسراً من جبال الظهرة إلى ساحل تيبازة عام 1958، حيث تصف لحظات الوصول: "لم يكن هناك ملاجئ أو مرافق، كانت القمامة تتكدس، والفراغ ينهكنا، وكنا ننتظر قطعة خبز لن نطلبها يوماً".

هذه الشهادات ليست استثناءً؛ فالمجندون الفرنسيون أنفسهم شهدوا على ذلك. يقول الجندي جان-ماري مير في مذكراته: "لم أتخيل أن يُعامل البشر كالماشية، هذا البؤس الهائل غيّر نظرتي للحياة".

استراتيجية "عزل الحاضنة الشعبية"

تؤكد الدراسات السوسيولوجية، وعلى رأسها أطروحة ميشال كورناتون، أن نحو 26% إلى 33% من سكان الريف الجزائري أُجبروا على ترك ديارهم. كانت الخطة الفرنسية تعتمد على "التطهير العرقي والمكاني" لعزل جيش التحرير الوطني عن قاعدته الشعبية، عبر تدمير الدواوير والمداشر وحرق المحاصيل، ثم حشر الأهالي في مناطق مراقبة عسكرياً.

استلهمت فرنسا هذا النموذج من حرب الهند الصينية، لكنها طبّقته في الجزائر بوتيرة أكثر وحشية، حيث كان الهدف منع أي دعم لوجستي لـ"الفلاقة".

"موت طفل كل يومين": تقرير روكار الصادم

ظلت هذه المأساة طي الكتمان حتى عام 1959، حين أعدّ الطالب بمدرسة الإدارة آنذاك، "ميشال روكار" (رئيس الوزراء الفرنسي لاحقاً)، تقريراً كشف فيه عن أرقام مرعبة. أشار روكار إلى أن المعسكر الذي يبلغ تعداد سكانه ألف نسمة، يفقد طفلاً كل يومين بسبب الجوع، والأمراض، والبرد.

ورغم تسريب الوثيقة لصحف مثل "لوموند"، إلا أن السلطات الفرنسية آنذاك، بقيادة ميشال دوبريه، سارعت لتكذيبها أو تصويرها كـ "مؤامرة صينية"، محولةً الملف إلى قضية رأي عام عابرة سرعان ما خمدت.

ذاكرة ممزقة: لماذا الصمت؟

تطرح لورين روسينيول تساؤلاً جوهرياً: لماذا لم يُكتب هذا التاريخ حتى الآن؟

في فرنسا: يطغى "إنكار الماضي الاستعماري" ورغبة الدولة في تجاوز حرب وُصفت بـ"الملعونة" وعدم رغبة النخبة في مواجهة سجل حقوق الإنسان الأسود.

في الجزائر: توضح الكاتبة أن السردية الرسمية ركزت على "البطولة والمقاومة"، بينما يُعد الخوض في تفاصيل المعسكرات حديثاً عن "انكسار" و"مهانة" تعرض لها المدنيون، وهو ما يمثل صدمة جماعية لم يسهل روايتها للأجيال الصاعدة.

حقائق وأرقام:

الضحايا: يُقدّر عدد الوفيات داخل المعسكرات بنحو 200 ألف شخص، معظمهم من الأطفال والنساء.

التهجير: أكثر من 2.3 مليون جزائري أُخرجوا من أراضيهم قسراً.

النتيجة: تدمير النسيج الاجتماعي والثقافي الريفي، وضياع إرث معرفي وزراعي كان يشكل هوية المجتمع الجزائري قبل الاستقلال.

إن كشف هذه "المأساة المنسية" لا يعد مجرد نبش في جراح الماضي، بل هو استعادة لذاكرة جماعية بترت قسراً. كما تقول روسينيول: "العديد من الجزائريين اليوم يخبرونني أنهم استعادوا بفضل هذه الأبحاث جزءاً من هويتهم المفقودة".

المصدر : راديو مونتي كارلو الدولية.