مسرور بارزاني ومسيرة تصفير الأزمات بين أربيل وبغداد

أربيل (كوردستان24)- منذ تسلمه مهامه رئيساً لحكومة إقليم كوردستان في صيف عام 2019، انتهج مسرور بارزاني مساراً دبلوماسياً مكثفاً تجاه العاصمة الاتحادية بغداد، محولاً لغة الخطاب من "التصعيد السياسي" إلى "الحوار الفني والقانوني". ولم تكن زياراته المتكررة مجرد لقاءات بروتوكولية، بل كانت محطات مفصلية تهدف في جوهرها إلى حل عقدة الملفات المتراكمة منذ عقود، وعلى رأسها الموازنة والنفط والرواتب والمناطق المتنازع عليها.

بدأت أولى هذه المحطات في تموز 2019، حين توجه بارزاني إلى بغداد بعد أيام قليلة من أداء اليمين الدستورية، في خطوة فُسرت حينها بأنها "رسالة حسن نية" وكسر لجمود طويل. التقى خلالها بالرئاسات الثلاث، ووضع حجر الأساس لسلسلة من اللجان الفنية التي بدأت ببحث ملف المادة 140 الدستورية والمستحقات المالية، وهي الزيارة التي مهدت لاحقاً لتفاهمات أوسع رغم التحديات السياسية التي عصفت بالعراق آنذاك.

ومع تبدل الحكومات في بغداد، استمر بارزاني في نهج التواصل؛ ففي أيلول 2020، وفي ذروة الأزمة الاقتصادية الناتجة عن جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط، قاد وفداً إلى بغداد للقاء حكومة مصطفى الكاظمي. كانت تلك الزيارة "إطفائية" بامتياز، حيث ركزت على تأمين الرواتب وتنسيق الجهود الأمنية في مناطق الفراغ الأمني بين الجيش والبيشمركة، مما أثمر عن اتفاقات أمنية حدت من هجمات تنظيم داعش في المناطق المشتركة.

إلا أن الاختبار الأصعب لهذه العلاقة جاء في تموز 2022، عقب صدور قرار المحكمة الاتحادية بعدم دستورية قانون النفط والغاز في الإقليم. هنا، توجه بارزاني إلى بغداد حاملاً رؤية قانونية ترفض التصادم وتدعو إلى مخرج دستوري يحمي قطاع الطاقة في كوردستان مع مراعاة وحدة الموارد العراقية. تلك الزيارة منعت انزلاق الأزمة إلى مواجهة قضائية شاملة وأبقت الباب موارباً للحلول التقنية.

ومع انبثاق حكومة محمد شياع السوداني في نهاية 2022، دخلت زيارات بارزاني مرحلة "الاتفاقات الاستراتيجية". في كانون الثاني 2023، زار بغداد لتفعيل بنود الاتفاق السياسي الذي تشكلت بموجبه الحكومة، وهو ما توج لاحقاً في نيسان 2023 بواحدة من أهم الزيارات التاريخية، حيث وقع مع السوداني اتفاقاً "مؤقتاً" لاستئناف تصدير نفط الإقليم عبر شركة "سومو" الاتحادية بعد توقف دام أسابيع إثر قرار محكمة التحكيم الدولية في باريس. هذا الاتفاق مثل تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الموارد، حيث قُبلت فيه الإدارة المشتركة كحل وسط للأزمة.

ولم يتوقف الحراك عند ملف النفط، ففي أيلول 2023، خاض بارزاني ما وُصف بـ"ماراثون اللقاءات" في بغداد، شملت السوداني وقادة جميع الكتل السياسية الشيعية والسنية، في لحظة كان فيها الإقليم يعاني من ضائقة مالية حادة هددت رواتب الموظفين. نجحت تلك الزيارة في انتزاع موافقة سياسية لصرف قروض مالية عاجلة للإقليم، ورسخت مبدأ "فصل القوت والرواتب عن الخلافات السياسية"، وهو المبدأ الذي ظل بارزاني يكرره في كل محفل.

وفي أيار 2024، جاءت الزيارة الأخيرة لترسيخ ما تم الاتفاق عليه سابقاً، حيث ركزت المباحثات على مأسسة عملية صرف الرواتب عبر "التوطين" وحل مشكلة التكاليف التشغيلية لشركات النفط، لضمان عدم عودة الأزمات المعيشية للواجهة مرة أخرى.

إن المتتبع لهذا المسار الطويل من الزيارات، يجد أن مسرور بارزاني اعتمد استراتيجية "النفس الطويل"، حيث انتقل بالعلاقة مع بغداد من صراع على الصلاحيات إلى شراكة في المسؤوليات. وبالرغم من بقاء قضايا عالقة مثل "قانون النفط والغاز الاتحادي"، إلا أن هذه الزيارات نجحت في خلق شبكة أمان سياسية وقانونية حالت دون انهيار العلاقة بين أربيل وبغداد، وجعلت من الحوار الدستوري المسار الوحيد والمقبول لحل الأزمات المعقدة.

 

إليك رصد توثيقي شامل لهذه الزيارات:

1. زيارة "بناء الثقة" (16 يوليو 2019)

بعد أقل من أسبوع على أدائه اليمين الدستورية، توجه بارزاني إلى بغداد في أول محطة خارجية له.

السياق: رغبة أربيل في فتح صفحة جديدة بعد سنوات من التوتر الذي أعقب استفتاء 2017.

اللقاءات: رئيس الوزراء آنذاك عادل عبد المهدي، رئيس الجمهورية برهم صالح، ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي.

أهم الملفات: المادة 140 من الدستور، موازنة 2020، وملف النفط.

النتيجة: تشكيل لجان فنية مشتركة لبحث ملفات الطاقة والمالية، ووصف بارزاني الزيارة بأنها "رسالة حسن نية لترجمة الدستور إلى واقع".

 

2. زيارة الأزمة الاقتصادية المزدوجة (10 سبتمبر 2020)

جاءت هذه الزيارة في ظل انهيار أسعار النفط عالمياً وتفشي جائحة كورونا.

السياق: تولي مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة وتصاعد أزمة رواتب موظفي إقليم كوردستان.

اللقاءات: رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي والقوى السياسية الفاعلة.

أهم الملفات: حصة الإقليم في الموازنة، التنسيق الأمني في المناطق المتنازع عليها لمواجهة خلايا "داعش".

النتيجة: الاتفاق على آلية مؤقتة لإرسال بغداد مبالغ مالية (320 مليار دينار شهرياً) لحين إقرار موازنة 2021، وتعزيز التنسيق العسكري بين البيشمركة والجيش العراقي.

 

3. زيارة ما بعد قرار المحكمة الاتحادية (23 يوليو 2022)

كانت من أكثر الزيارات حساسية سياسية وقانونية.

السياق: صدور قرار المحكمة الاتحادية العليا في فبراير 2022 الذي قضى بعدم دستورية قانون النفط والغاز في الإقليم.

اللقاءات: مصطفى الكاظمي، رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان.

أهم الملفات: إيجاد مخرج قانوني لملف النفط يحفظ حقوق الإقليم الدستورية ويحترم قرارات القضاء.

النتيجة: تم الاتفاق على استمرار الحوار الفني بعيداً عن التصعيد الإعلامي، والبدء بالتفكير في صياغة مسودة قانون اتحاد للنفط والغاز.

 

4. زيارة العهد الجديد والاتفاق السياسي (11 يناير 2023)

أول زيارة بعد تشكيل حكومة محمد شياع السوداني.

السياق: استناد حكومة السوداني إلى "منهاج وزاري" تضمن بنوداً صريحة لحل مشاكل الإقليم (اتفاق ائتلاف إدارة الدولة).

اللقاءات: محمد شياع السوداني، قادة الإطار التنسيقي، وقادة الكتل السنية والكوردية.

أهم الملفات: تشريع قانون النفط والغاز، تعديل قانون الموازنة، وملف رواتب البيشمركة.

النتيجة: إبداء مرونة عالية من الطرفين، والتأكيد على أن حل مشاكل أربيل هو مفتاح لاستقرار العراق بالكامل.

 

5. زيارة الاتفاق النفطي التاريخي (4 أبريل 2023)

تعتبر أهم زيارة من حيث النتائج العملية الفورية.

السياق: توقف تصدير نفط الإقليم عبر تركيا إثر قرار محكمة التحكيم الدولية في باريس.

الحدث الأبرز: توقيع اتفاقية استئناف تصدير نفط الإقليم بإشراف شركة "سومو" بحضور السوداني وبارزاني.

النتيجة: إنهاء عقود من التفرد في إدارة ملف النفط، وتحويل الملف إلى إدارة مشتركة بين أربيل وبغداد، وهو ما اعتُبر "نصراً للدبلوماسية الهادئة".

 

6. زيارة كسر الحصار المالي (14 سبتمبر 2023)

جاءت هذه الزيارة بسبب تأخر الرواتب لعدة أشهر.

السياق: وفد رفيع المستوى برئاسة بارزاني ونائبه قوباد طالباني.

اللقاءات: ماراثون من الاجتماعات شمل السوداني، وقادة الإطار (المالكي، العامري، الحكيم، العبادي، الخزعلي).

أهم الملفات: فصل ملف الرواتب عن الخلافات السياسية والنفطية.

النتيجة: انتزاع موافقة بغداد على إرسال مبالغ مالية كقروض (700 مليار دينار شهرياً) لتمويل الرواتب، مما أنقذ الوضع المعيشي في الإقليم مؤقتاً.

 

7. زيارة مأسسة الحلول (30 مايو 2024)

زيارة استكمالية تهدف إلى وضع حلول دائمية بدلاً من الحلول الترقيعية.

السياق: صدور قرارات المحكمة الاتحادية بخصوص "توطين" الرواتب ومشاكل الموازنة لعام 2024.

اللقاءات: رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.

أهم الملفات: آليات توطين الرواتب (مشروع حسابي)، تكاليف استخراج النفط، والانتخابات البرلمانية في الإقليم.

النتيجة: التوافق على استكمال إجراءات التوطين، وتعديل بنود الإنفاق الفعلي في الموازنة لضمان تدفق السيولة المالية للإقليم.

 

ومن خلال تتبع كافة البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب مسرور بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان خلال هذه الزيارات، يمكن رصد 4 ثوابت أساسية:

الدستور هو الحكم: التشديد الدائم على أن الحل يجب أن يكون دستورياً وليس سياسياً متغيراً.

استحقاقات وليس هبات: الخطاب الكوردستاني يركز على أن ما تطلبه أربيل هو استحقاق مالي لمواطنيها مقابل التزاماتها.

الشراكة الأمنية: التأكيد على أن أمن بغداد من أمن أربيل، خاصة في مواجهة التهديدات الخارجية والإرهاب.

الفصل بين قوت الشعب والسياسة: الضغط المستمر لعدم استخدام "الرواتب" كأداة ضغط سياسي ضد حكومة إقليم كوردستان.

لقد نجح مسرور بارزاني عبر هذه الزيارات السبع في تحويل العلاقة مع بغداد من حالة "التشنج" إلى حالة "التفاوض المؤسساتي"، وبالرغم من أن جميع المشاكل لم تُحل بشكل نهائي، إلا أن قنوات التواصل لم تنقطع حتى في أحلك الظروف السياسية والقانونية.