رؤية الصين للاتفاق الأمريكي الإيراني المرتقب: هدنة هشة أم كمين إستراتيجي؟
أربيل (كوردستان24)- في أروقة السياسة الخارجية الصينية، لا يُنظر إلى الاتفاق الوشيك بين واشنطن وطهران بوصفه "انفراجة تاريخية" أو نهاية لصراع العقود المرير، بل يُقرأ بعيون براغماتية بحتة؛ فهو مجرد ترتيب إجرائي لتمديد وقف إطلاق النار وتأمين شريان الحياة في مضيق هرمز.
وبينما يترقب العالم نتائج هذا الحوار، تبرز القراءة الصينية لتقدم مشهداً معقداً يتأرجح بين دعم الاستقرار الإقليمي وبين التوجس من "كمين إستراتيجي" أمريكي يهدف لإعادة ترتيب أوراق المنطقة بما يخدم الهيمنة الغربية.
الأولوية للممرات الملاحية لا للمناورات السياسية
بالنسبة لبكين، يظل استقرار مضيق هرمز معياراً أساسياً لنجاح أي تفاهم. وفي هذا السياق، تؤكد المتحدثة باسم الخارجية الصينية، ماو نينغ، أن "الحوار والتفاوض هما الطريق القويم"، مشددة على ضرورة عدم إغلاق باب الدبلوماسية الذي فُتح بصعوبة. وترى بكين أن "سلاسة سلاسل الإنتاج والتوريد العالمية" مرتبطة عضوياً بالحل السياسي في الخليج.
هذا الموقف يعززه الأكاديمي وانغ بنغ، من جامعة "هواجونغ"، الذي يرى أن الأولوية الصينية تكمن في رفض القوة واستثمار الانفتاح الدبلوماسي لتثبيت زخم التهدئة. فالصين لا تبحث عن "نصر سياسي" لطرف على آخر، بقدر ما تبحث عن بيئة آمنة تضمن تدفق الطاقة بعيداً عن "عقلية الحرب الباردة" التي تتهم واشنطن بالتمسك بها.

اختبار النوايا: هدنة أم مناورة لكسب الوقت؟
تذهب الصحافة الرسمية الصينية، وعلى رأسها صحيفة "الشعب"، إلى أبعد من الجوانب التقنية للاتفاق، لتضعه في إطار صراع النظام الدولي. فالاتفاق المرتقب هو اختبار لمدى استعداد واشنطن للتخلي عن سياسات الابتزاز. وفي هذا الصدد، يصف المحلل الجيوسياسي إينار تانجن المنهج الأمريكي بـ"المتذبذب"، معتبراً أن واشنطن تسعى "لكسب الوقت" أكثر من سعيها لتسوية شاملة.
من وجهة النظر هذه، يبدو التفاهم "هدنة هشة" ضمن صراع إستراتيجي أوسع. وتحذر السردية الصينية من أن أي اتفاق لا يحترم السيادة الإيرانية ويعيد الاعتبار للقانون الدولي لن يكون مستداماً، بل قد يتحول إلى "وسيلة ابتزاز" طويلة الأمد ضد الدول النامية المستوردة للطاقة، وعلى رأسها الصين.
مكاسب الاستقرار ومخاطر التسييس
تجد بكين نفسها في منطقة "المستفيد الحذر"؛ فوكالة "شينخوا" الرسمية تلفت إلى أن الحوار خفف "ظل الحرب"، وهو ما ينعكس إيجاباً على أسواق الطاقة العالمية ويحمي الاقتصاد الصيني من صدمات الأسعار. لكن هذا التفاؤل يشوبه حذر من "تسييس" الملف النووي والممرات البحرية. فبكين تخشى أن يكون فتح المضيق مجرد خطوة تكتيكية تتبعها ضغوط عسكرية أو عقوبات مستترة تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، مما يهدد أمن الطاقة الذي تعتبره الصين خطاً أحمر.
طهران بين الضغط الأمريكي والدعم الصيني "المحدود"
في قراءة صحيفة "غلوبال تايمز"، تظهر طهران كطرف يحاول المناورة تحت ضغط هائل، حيث تستخدم واشنطن سياسة "الوقت ينفد" لانتزاع تنازلات. وهنا، يبرز الدور الصيني كـ"داعم" للتهدئة وليس "عرّاباً" أو ضامناً وحيداً. يوضح الدكتور وانغ بنغ أن تأثير بكين في طهران "حقيقي لكنه محدود"، حيث تفضل الصين تهيئة البيئة الدبلوماسية بدلاً من فرض الإملاءات، معتبرة أن أمن الخليج مسؤولية جماعية لا تقتصر على القوى الكبرى وحدهما.
وساطة الظل: دور الشركاء الإقليميين
من اللافت في التغطية الصينية هو تسليط الضوء على الوسطاء الإقليميين، وتحديداً باكستان. فبينما يميل الإعلام الغربي لتضخيم الدور الأمريكي، تشير تقارير مثل "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" إلى أن بكين حثت إسلام آباد على تعميق جهود الوساطة. هذا السلوك يعكس رغبة الصين في "المساعدة دون الالتزام"؛ فهي تدعم المبادرات التي تفتح المضيق، لكنها ترفض أن تكون الضامن القانوني الذي يتحمل تبعات أي انهيار مستقبلي للاتفاق.
الخلاصة: المستفيد الذي يخشى الإقصاء
تنتهي الرؤية الصينية إلى معادلة بالغة الدقة: الصين هي الرابح الأكبر من استقرار الطاقة ووقف الحرب، لكنها المتضرر الأكبر إذا أدى الاتفاق إلى "هندسة أمنية" بقيادة أمريكية أحادية تقصي بكين من ترتيبات المنطقة. بالنسبة للصين، الاتفاق هو "ممر إجباري" لتجنب الصدام، لكنه يظل محفوفاً بالمخاطر ما لم يتحول من مجرد "ترتيب تقني" إلى تسوية سياسية تحترم قواعد التعددية الدولية وتنهي استخدام الممرات الملاحية كأوراق ضغط سياسي.
المصدر: وکالات