"روح الألوان" في أربيل.. معرض استعادي يحاور غياب الفنان الراحل قرني جميل
في الذكرى السنوية الأولى لرحيله، احتضنت صالة "ميديا" للفنون في أربيل المعرض التشكيلي الاستعادي "روح الألوان"، الذي يعيد تقديم الإرث الإبداعي لأحد أبرز قامات الفن التشكيلي الكوردي، الراحل قرني جميل (1954-2025)، في محاولة لاستحضار ذاكرته البصرية وإبقائها حية في وجدان الحراك الثقافي.
افتتح المعرض اليوم الخميس بحضور رسمي وفني متميز، تقدمه مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في حكومة الإقليم سفين دزيي، ومحافظ أربيل أوميد خوشناو، ومدير عام الثقافة والفنون في أربيل سيروان عثمان، إلى جانب حشد من الأدباء والتشكيليين والمهتمين بالصناعة الجمالية.
ضم المعرض 22 لوحة فنية أُنجزت في الفترة ما بين عامي 1988 و1992، وهي المرحلة التي تمثل نضوجاً بارزاً في تجربة الفنان المغترب. وتأتي هذه الاحتفالية الجمالية بتعاون مشترك بين وزارة الثقافة والشباب، ومحافظة أربيل، والمديرية العامة للثقافة والفنون، وبالتنسيق مع عائلة الفنان الراحل لتخليد نتاجه الإنساني.
فن يقاوم النسيان
وفي حديث لكوردستان24، أوضح مدير الفنون التشكيلية والأعمال اليدوية، آزاد لشكري، أن إقامة هذا المعرض تمثل فعلاً مقاوماً للغياب والنسيان. وقال لشكري: "نسعى من خلال هذه الفعالية الإبقاء على منجز أحد أهم رواد الحداثة التشكيلية الكردية حاضراً في الأذهان؛ فالأعمال الفنية تمتلك قدرة فريدة على الاستمرار في الحديث وصناعة الحوار الجمالي مع الجمهور حتى بعد رحيل مبدعها".
وأضاف لشكري أن تجربة قرني جميل تميزت بقدرتها على تحويل الألوان من مجرد أداة للتزيين البصري إلى لغة تعبيرية فكرية عميقة، مبيناً أن الراحل انشغل طوال مسيرته بنقل الهواجس الداخلية للإنسان، وصياغة علاقته الجدلية مع المكان، والتاريخ، والذاكرة الجمعية.
أرشيف بصري للوجدان الكوردي
ويرى لشكري أن اللوحات المعروضة لا تُقرأ كمجرد نتاج نهائي، بل كوثائق بصرية ترصد ملامح التحول والأسئلة الوجودية واللحظات الإنسانية الصامتة التي عاشها الفنان. وتابع قائلاً: "تكمن أهمية هذه الأعمال في كونها تشكل جزءاً أصيلاً من تاريخ الفن الحديث في كوردستان، فهي تعمل كأرشيف مرئي لا يوثق الأحداث فحسب، بل يوثق المشاعر والتقلبات النفسية لتلك الحقبة".
وأشار لشكري إلى التنوع الأسلوبي في المعرض، حيث تلتقي ضربات الفرشاة الحركية القوية والألوان الدافئة التي تفيض بالحيوية، مع مساحات أخرى تتسم بالهدوء، الفراغ، والصمت، مما يؤكد أن الفنان لم يقتصر في خطابه الجمالي على لغة بصرية واحدة.
وتطرق لشكري إلى البعد الثقافي للمعرض قائلاً: "حين يرحل الفنان، يهدد الغياب نتاجه بالتحول إلى مجرد ذكريات عابرة، لكن إعادتها للضوء تمنحها حياة جديدة؛ إذ يتحول المتلقي أمام اللوحة من مجرد مشاهد سلبي إلى شريك حقيقي في إنتاج الدلالات والمعاني". وعن تسمية المعرض بـ"روح الألوان"، لفت إلى أنها تعبر عن فكرة خلود المنجز البصري وقدرته على البقاء وتخطي الحدود الزمنية لجسد الإنسان.
عن مسيرة الراحل قرني جميل
يُذكر أن الفنان الراحل قرني جميل من مواليد أربيل عام 1954، حيث أكمل دراسته الأولى فيها قبل أن يتخرج من معهد الفنون الجميلة (قسم الفنون التشكيلية) في بغداد عام 1977. غادر كوردستان عام 1979 متوجهاً إلى إيطاليا حيث واصل شغفه الإبداعي حتى عام 1984، لينتقل بعدها إلى إسبانيا حيث أقام واشتغل بالفن لقرابة عقدين من الزمن (حتى عام 2003).
بعد عودته إلى الوطن عام 2003، ساهم في إثراء الحراك الأكاديمي والتحريري، حيث تولى رئاسة تحرير مجلة "شێوەکاری" (التشكيل)، وعمل تدريسياً في معهد الفنون الجميلة بأربيل، ناقلاً خبرته الفنية للأجيال الشابة، قبل أن يغيبه الموت في 3 حزيران (يونيو) 2025 عن عمر ناهز 71 عاماً إثر صراع مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً تشكيلياً كبيراً يثري الذاكرة الفنية الكوردية.