من البلقان إلى خيام الهول.. "كوردستان 24" تكشف مأساة "آرما" التي دفعها "طاعة الزوج" نحو جحيم داعش
أربيل (كوردستان 24)- "لقد خسرت حياتي، وخسرت والديّ، وخسرت أصدقائي".. بدموع الندم ووجهٍ يحمل تجاعيد عقدٍ من العزلة، تلخص "آرما سمايل"، المواطنة الصربية البالغة من العمر 42 عاماً، قصتها المأساوية. رحلةٌ بدأت بالخضوع للتقاليد وانتهت خلف الأسوار الشائكة لمخيمات عوائل تنظيم "داعش" في شمال شرق سوريا.
في لقاءٍ حصري أجرته "كوردستان 24" ضمن سلسلة مقابلاتها مع زوجات عناصر التنظيم، تروي "آرما" كيف قادتها "طاعة الزوج" الأعمى لترك حياتها الطبيعية في صربيا عام 2014، والقدوم إلى مناطق سيطرة التنظيم وهي حامل بطفلها الثالث، لتجد نفسها لاحقاً أرملةً، وأماً لأربعة أطفال، وأسيرة ذكريات تأبى أن تفارقها.
"طاعة الزوج" ومأزق التقاليد
عند سؤالها عن سبب قدومها من أوروبا إلى معقل التطرف، تعزو "آرما" قرارها إلى الأعراف الاجتماعية الصارمة في منطقة البلقان، قائلةً لـ"كوردستان 24": "كان يجب عليّ أن أطيع زوجي. مهما قال أو قرر العيش في أي بلد، كان عليّ أن أنفذ كلامه".
وتضيف بحسرة: "في ذلك الوقت كنت حاملاً بطفلي الثالث. كان من العيب في بلدي أن تبقى الزوجة بينما يغادر زوجها. كان بإمكاني البقاء مع عائلتي، لكن التقاليد فرضت عليّ أن أكون مطيعة وأن أرافقه".
الموت في الرقة والزواج الثاني
لم تدم حياة زوجها الأول طويلاً تحت راية التنظيم، فقد قُتل عام 2016 في منطقة "عين عيسى" بمحافظة الرقة السورية. لتجد "آرما" نفسها مضطرة للزواج مرة أخرى، وهذه المرة من رجل من أهالي مدينة الموصل العراقية، أنجبت منه طفلة.
اليوم، تعيش "آرما" مع ثلاثة من أطفالها في المخيم، بينما يقبع ابنها الأكبر في مراكز التأهيل والاحتجاز.
"خطأ لا يُغتفر".. والتبرؤ من فكر التنظيم
لا تتهرب المواطنة الصربية من مسؤوليتها تجاه ما حدث، فرغم مكوثها لعامين فقط في مناطق سيطرة "داعش"، إلا أنها تعتبرهما "خطأً كبيراً". وتؤكد قائلة: "السنتان اللتان عشتهما مع داعش كانتا خطئي الشخصي، والمسؤولية تقع على عاتقي".
وتشدد "آرما" على أنها تبرأت تماماً من الأيديولوجيا المتطرفة، مضيفة بلهجة قاطعة: "لم أعد أؤمن بفكر داعش أبداً. أريد أن أمحو سوريا من ذاكرتي، وأي شيء له صلة بالتنظيم أريد محوه تماماً من عقلي. أنا لست شخصاً راديكالياً، أنا امرأة وأم مسلمة عادية، متعبة ومريضة وأريد أن أنسى".
عقدٌ في المخيم ومعاملة القوات الكوردية
قضت "آرما" 10 سنوات داخل المخيمات التي تديرها القوات الأمنية الكوردية في شمال شرق سوريا. وعن معاملة تلك القوات تقول لـ"كوردستان 24": "لم تكن لدي أي مشكلة معهم طوال تلك السنوات. كانوا يتركوننا في حال سبيلنا ما لم نفتعل المشاكل أو نرتكب الأخطاء. لقد عشت عقداً كاملاً هناك بشكل طبيعي جداً ودون أي مشاكل مع الجنود الكورد".
رسالة إلى صربيا: "ما ذنب أطفالي؟"
رغم تواصلها المستمر مع شقيقتيها في صربيا - بعد وفاة والديها قبل أربع سنوات - إلا أن إجراءات إعادتها لا تزال معقدة. وتعزو ذلك إلى إنجابها طفلين في سوريا لا يملكان جوازات سفر أو أوراقاً ثبوتية صربية، على عكس طفليها الأكبرين.
ووجهت "آرما" عبر كاميرا "كوردستان 24" رسالة مناشدة إلى حكومة بلادها قائلة: "أرجوكم امنحوني فرصة أخرى لحياة طبيعية لي ولأطفالي. صحيح أنني أخطأت، ولكن ما ذنب هؤلاء الأطفال؟ الإنسان لا يمكنه اختيار والديه".
وعن مخاوفها من المحاكمة عند عودتها، تؤكد قبولها بالقضاء الصربي الديمقراطي: "تلك صربيا، المحاكم هناك لا تحكم بالشريعة، ولا أفكر في هذا الأمر مطلقاً. أريد فقط أن أعود لتكون (آرما) القديمة التي يعرفها أبناء مدينتي، وأن يذهب أطفالي إلى المدرسة ويمارسوا كرة القدم".
وتختم لقاءها بأمل يصارع اليأس: "أريد أن ينظر إليّ جيراني وأصدقائي كشخص طبيعي. أنا واثقة من أنني أستطيع بناء حياة جديدة".
تقرير: أكرم سليمان – كوردستان24 - الحسكة