بين حافة الهاوية والتفاوض.. الشرق الأوسط يدخل مرحلة انتقالية على وقع طبول الحرب
أربيل (كوردستان24)- في توقيت بالغ الحساسية، يمر الشرق الأوسط بمنعطف تاريخي قد يغير قواعد الاشتباك الإقليمية لعقود قادمة. فبينما تحاول طهران تسويق مشهد "النصر" وصمود محورها، ترد واشنطن بلغة النار والتحذيرات الصارمة، مما يضع التفاهمات الهشة التي جرى التوصل إليها مؤخراً أمام اختبار وجودي. وفي قلب هذا المشهد، لم يعد الصراع محصوراً في غرف التفاوض المغلقة، بل انتقل إلى مياه مضيق هرمز وسماء السواحل الإيرانية، ليجسد صراع إرادات يبحث فيه كل طرف عن "صورة نصر" نهائية.
فجّر استهداف سفينة الشحن التجارية "إم في إيفر لوفلي" (M/V Ever Lovely) في مضيق هرمز موجة تصعيد غير مسبوقة. فبعد يوم واحد من الهجوم الذي اتهمت فيه واشنطن الحرس الثوري الإيراني باستخدام طائرة مسيرة انتحارية، جاء الرد الأمريكي خاطفاً وعنيفاً. القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أعلنت شن ضربات جوية استهدفت منصات صواريخ ورادارات ساحلية ومستودعات مسيرات داخل الأراضي الإيرانية، وتحديداً في منطقة "سيريك".
وفي هذا السياق، برز موقف الإدارة الأمريكية بوضوح من خلال تصريحات نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي رسم حدود القواعد الجديدة للتعامل مع طهران. فانس، في لهجة حازمة لا تقبل التأويل، أكد أن واشنطن لن تتهاون في حماية أمن الملاحة، محذراً من أن "العنف سيقابل بالعنف". وأضاف فانس في تصريحات صحفية وجه فيها رسالة مباشرة للقيادة الإيرانية: "إذا كانت لديهم خلافات بشأن كيفية تطبيق مذكرة التفاهم، فيمكنهم التواصل هاتفياً، لكن العنف سيقابل بالعنف". هذا التصريح يعكس استراتيجية إدارة ترامب الجديدة: فتح قنوات اتصال دبلوماسية، لكن مع يد ثقيلة جاهزة للضرب فور وقوع أي إخلال بالتعهدات.
من جانبه، وصف الرئيس دونالد ترامب الهجوم الإيراني بأنه "انتهاك غبي" لاتفاق وقف إطلاق النار، مهدداً بإنهاء المحادثات فوراً إذا ثبت تهديد طهران لسلامة الملاحة الدولية، رغم إقراره بأن "الوضع مع إيران مختلف بعض الشيء" في هذه المرحلة.
في المقابل، لم تلتزم طهران الصمت؛ إذ سارع الحرس الثوري الإيراني لإعلان قصف منشآت عسكرية أمريكية في الخليج رداً على الغارات الجوية. وبجانب الرد الميداني، كانت الرسالة السياسية حاضرة بقوة؛ حيث شددت طهران على أن إدارة مضيق هرمز تقع تحت مسؤوليتها بموجب اتفاقات وقف إطلاق النار، محذرة من أن أي اعتداء جديد سيواجه برد "أوسع بكثير".
وتأتي هذه التطورات في وقت يحاول فيه قائد "فيلق القدس" إسماعيل قاآني تقديم المسار التفاوضي الحالي باعتباره ثمرة لصمود محور طهران، مدعياً أن إسرائيل ستنسحب "مهزومة" من الجبهات. وهي رواية يراها مراقبون خطاباً تعبوياً موجهاً للداخل وللأذرع الإقليمية، بهدف التغطية على حجم التنازلات التي اضطرت إيران لقبولها، خاصة في ملفات نزع سلاح حلفائها في لبنان والضغوط على فصائل العراق.
تعد الجبهة اللبنانية المختبر الأبرز لهذا التحول الاستراتيجي؛ فلبنان يخوض "مفاوضات مباشرة" لانتشار الجيش ونزع سلاح "حزب الله" في مناطق محددة. ويرى السفير الأمريكي السابق جيمس جيفري أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران، بل يثبت أن المواجهات منذ 2023 أضعفت شبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن.
بناءً عليه، يبدو أن المنطقة تدخل ما يمكن تسميته بـ "مرحلة الانتقال". فإيران لم تعد قادرة على الاعتماد الكلي على تنظيمات كبيرة وعلنية بأسلحة ثقيلة، وهي تنتقل الآن نحو "شبكات أصغر وأكثر سرية"، أو قبول دمج شكلي للفصائل في مؤسسات الدولة (كما يحدث في العراق) مع الاحتفاظ بنفوذ مستتر. ويبقى نجاح "النموذج اللبناني" هو المعيار؛ فإذا استعاد الجيش سيادته ومنع الحزب من العودة للمناطق المخلاة، سنكون أمام سابقة تاريخية لحصر السلاح بيد الدولة في الإقليم.
وسط هذا التصعيد، حذرت الأمم المتحدة عبر المتحدث باسمها ستيفان دوجاريك من "تدهور أمني متسارع"، مشيرة إلى وجود "تناقض كبير" في تفسير بنود الاتفاق بين الطرفين. إن مضيق هرمز، الذي يتدفق عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، بات اليوم رهينة لتفاهمات هشة؛ حيث أدى التوتر الأخير لتعليق خطط إجلاء السفن العالقة، وأعاد أسعار الطاقة لمربع القلق.
ختاماً، يبقى السؤال المعلق في فضاء المنطقة: هل ستنجح صرامة "فانس" وتهديدات "ترامب" في لجم طموحات طهران البحرية؟ أم أن إيران ستواصل استخدام ورقة هرمز لانتزاع مكاسب في الملف النووي والعقوبات؟ الأيام القادمة ستقرر ما إذا كانت "الجولة الخامسة" هي بداية لنهاية هيمنة المحور الإيراني، أم أنها مجرد هدنة تفاوضية أخرى تسبق انفجاراً أكبر.